يبدو أن “الخرجة” الإعلامية الأخيرة لوزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح علوي، لم تنجح في امتصاص غضب الشارع بقدر ما أجّجت نقاشاً تقنياً وسياسياً حاداً، بعدما سقطت “سيدة الأرقام” في فخ مقارنات دولية وصفتها مصادر اقتصادية مطلعة بـ”المجتزأة” و”المضلِّلة”.
ففي محاولة لتبرير استقرار أسعار “الغازوال” فوق عتبة 15 درهماً، استدعت الوزيرة النموذج الفرنسي كدرع واقٍ، مشيرة إلى أن سعر اللتر هناك يلامس 27 درهماً، وهي المقارنة التي اعتبرتها المصادر بمثابة “ذرٍّ للرماد في العيون” وتجاهلٍ متعمَّدٍ لسياق القدرة الشرائية، الذي يضع المغرب في خانة الاستثناء الطاقي المرتفع الكلفة عالمياً.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن لجوء الحكومة إلى “فزاعة” الأسعار الدولية يُغفل حقيقة رقمية لافتة؛ فبينما يتباهى الخطاب الرسمي بكون السعر في المغرب يقل بنحو عشرة دراهم عن نظيره الفرنسي، تكشف الحسابات أن المواطن المغربي يؤدي فعلياً أضعاف ما يؤديه الفرنسي قياساً إلى الدخل؛ إذ كيف يستقيم قياس سعر مادة حيوية في بلد يبلغ حده الأدنى للأجور 15 ألف درهم (فرنسا)، ببلد لا يتجاوز فيه “السميك” عتبة 3500 درهم؟
هذه “المغالطة المنطقية”، وفقاً للمصادر نفسها، تضع الحكومة في مواجهة اتهامات صريحة بممارسة “التضليل الإحصائي” لتمرير سياسة الأمر الواقع، خاصة أن دولاً في المحيط الجغرافي للمغرب، مثل تونس التي تتقاسم مع المملكة محدودية الموارد البترولية، نجحت في الحفاظ على سعر لا يتجاوز 7.34 دراهم، أي أقل من نصف السعر المطبق في المحطات المغربية.
وتذهب المصادر ذاتها إلى أن الأزمة ليست في “تقلبات السوق الدولية” بقدر ما هي في “غياب الإرادة السياسية” لحماية المستهلك؛ إذ تتوفر معطيات تفيد بأن شركات المحروقات في المغرب تتصرف وكأنها “جزر معزولة” عن القانون الذي يلزمها بتأمين مخزون استراتيجي لمدة 60 يوماً.
فبمجرد ارتفاع سعر البرميل في تداولات لندن أو نيويورك، تُسارع الشركات إلى رفع الأسعار في اليوم الموالي، ما يعني أن “وسادة الأمان” التي يفترض أن يحمي بها المخزون جيوب المغاربة معطَّلة عملياً، وسط صمت مريب من لجان المراقبة.
وبحسب المصادر، فإن هذا الوضع يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حارقة حول “تضارب المصالح” الذي يكبّل يد الحكومة عن اتخاذ إجراءات جريئة، مثل “تسقيف الأرباح” أو “خفض الضرائب” الاستهلاكية؛ وهي الحلول التي اختارتها دول ليبرالية عريقة، لكنها اصطدمت في المغرب بحائط الصمت الحكومي، ما جعل المواطن البسيط “الحلقة الأضعف” التي تموّل، بلقمة عيشها، صمود التوازنات الموازناتية التي تفتخر بها الوزيرة في صالونات الرباط المكيفة.







