قبل حوالي ثلاث سنوات، تفجر خلاف لافت بين عدد من وزراء حكومة عزيز أخنوش، وفي مقدمتهم وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، والمندوبية السامية للتخطيط، التي كان يرأسها آنذاك المندوب السامي السابق أحمد الحليمي.
جاء ذلك على خلفية الأرقام المحرجة التي كشفت عن ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة.
لم يبق الخلاف حبيس الكواليس، بل خرج إلى العلن عندما بدأ مزور يشكك صراحة في معطيات المندوبية. فخلال اجتماع للجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس النواب في يونيو 2023، خصص لمناقشة السياسة الصناعية الوطنية وسؤال النجاعة والأثر، لم يتردد مزور في اتهام المندوبية بـ”التبخيس”، قائلا بنبرة حادة: “إيلا تبعنا تقارير المندوبية السامية للتخطيط سنوقف السياسة الصناعية… لاش غادي نديروها كاع نوقفوها في مرة”، مضيفا أن المؤسسة ظلت لعشر سنوات تؤكد أن قطاع الصناعة لم يحقق نتائج في خلق مناصب الشغل.
هذا التوتر لم يكن وليد لحظته، بل امتدادا لصراع أعمق بين منطقين: منطق مؤسسة عمومية مستقلة تعنى بإنجاز البحوث حول قطاع التشغيل وفق منهجية علمية، ومنطق حكومة تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية لإثبات نجاح سياساتها، خصوصا في ملف حساس كالتشغيل.
وليس هذا أول فصل في هذا الجدل، فقد سبق أن حاول نجيب بوليف، خلال حكومة عبد الإله بنكيران، تقليص صلاحيات المندوبية بسبب خلاف مشابه حول أرقام التشغيل، غير أن تلك المحاولة اصطدمت بجدار صلب..كما اصطدمت بها جل المحاولات السابقة واللاحقة.. رغم أن عديدين يعتبرون حلول بنموسى على رأس المندوبية “مهادنة” مؤسساتية لحكومة أخنوش.
استحضار هذه المحطات ليس من باب إسقاط الطائرة في حديقة الحكومة الحالية، بل لتسليط الضوء على حجم الرهان السياسي المرتبط بملف التشغيل، وكيف تحوّل بلوغ عتبة مليون منصب إلى هدف تحديث حقيقي، تسعى الحكومة إلى تحقيقه أو الاقتراب منه على الأقل، بشتى الوسائل.. حتى ولو ب”الدوباج”.
لذلك، لم يجد رئيس الحكومة حرجا في الإعلان أمام البرلمان، وبعينين جاحظتين وصدر منفوخ، عن خلق 850 ألف منصب شغل، في حصيلة بدت للبعض أقرب إلى “الخيال” منها إلى معطيات اقتصادية دقيقة.
لكن الأرقام، بطبيعتها، لا تجامل. وهنا يطرح السؤال، من نصدق؟ هل نأخذ برواية الحكومة، باعتبارها مؤسسة دستورية تشرف على مختلف القطاعات المعنية بهذا الملف، أم نميل إلى تصديق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، باعتبارها الجهة المختصة في إنتاج الإحصائيات الرسمية؟
عبد السلام الصديقي، وهو أستاذ جامعي وخبير اقتصادي، قدم قراءة مغايرة تستند إلى الأرقام أيضا.
فحسب تحليله، الذي ارتكز إلى إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط، شهدت سنة 2022 فقدانا صافيا لـ24 ألف منصب شغل، نتيجة إحداث 150 ألف منصب في الوسط الحضري مقابل فقدان 174 ألفا في الوسط القروي. وارتفع هذا النزيف في سنة 2023 إلى 157 ألف منصب مفقود، رغم إحداث 41 ألف منصب في المدن، وذلك بسبب اختفاء 198 ألف منصب في القرى. ولم يسجل أي تحسن إلا ابتداء من سنة 2024، بإحداث 82 ألف منصب صاف، قبل أن يرتفع العدد إلى 193 ألفا في سنة 2025.
ماذا تعني هذه الأرقام؟ ببساطة، نحن أمام فجوة واضحة بين أرقام الحكومة وأرقام المندوبية والمختصين، لكن الأخطر من ذلك، أننا أمام فجوة أعمق بين ما يقدم على الأوراق، وبين ما يعيشه المواطن يوميا..أي واقع الأسواق.
فالحديث عن خلق مئات الآلاف من مناصب الشغل لا يجد صداه في سوق العمل، حيث تستمر البطالة، خاصة في صفوف الشباب، وتنتشر أشكال العمل الهش.
وبنفس المفارقة، يتم الحديث عن ضخ مليارات الدراهم في برامج ومخططات مختلفة، لكنها لم تنعكس بالشكل المنتظر على القدرة الشرائية للمواطنين.
ولعل المثال الأبرز على هذا التباين هو ما يتعلق بأسعار المواد الأساسية، وعلى رأسها اللحوم. فقد صرح رئيس الحكومة، ضمن نفس الحصيلة، بأن المغرب لم يسبق أن بلغ هذا المستوى من حيث عدد رؤوس الماشية، وهو ما يفترض، منطقيا، وفرة في العرض واستقرارا في الأسعار. غير أن الواقع يكذب ذلك، فاللحوم التي كنا نشتريها في زمن “الخير والخمير” بسعر يتراوح بين 50 و60 درهما، قفزت إلى 120 درهما للحوم البقر، و150 درهما أو أكثر للحوم الأغنام، رغم أننا نتوفر حاليا على أكبر عدد من رؤوس الماشية، كما يحب أن “يفوح” بذلك صاحب المخطط الأخضر!
وإذا كان هذا حال مادة أساسية واحدة، فإن بقية المواد لا تختلف كثيرا، حيث تتوالى الزيادات وتلتهب الأسعار، وتتآكل القدرة الشرائية. فبإطلالة سريعة على أرقام المندوبية السامية للتخطيط، المعلنة صباح الأربعاء، يتضح أن أهم ارتفاعات المواد الغذائية المسجلة ما بين شهري فبراير ومارس 2026 همت على الخصوص أثمان “الخضر” بـ %9,7 و”الفواكه” بـ %2,6 و”اللحوم” بـ %2,4 و”السمك وفواكه البحر” بـ %1,3.. ولكل ذلك، يشعر المواطن بأن لغة الأرقام التي تعرض عليه في حصيلة الحكومة، حتى وإن صحت، لا تعكس معيشه اليومي، ولا تجيب عن انتظاراته الحقيقية، بل تتحول إلى مجرد لعبة تتقاذفها الحكومة والمعارضة في “سيرك” البرلمان، كما وصفه ذات يوم الملك الراحل الحسن الثاني.
في لعبة “الأرقام”، كما تشتهيها حكومة رجال الأعمال، تضيع الأحلام.. أحلام البسطاء بلجم “اللوبيات” وكبح “الشناقة” و”الفراقشية” حتى تستقر الأسعار عند حجمها الحقيقي.. أما حصيلة “من يربح المليون” التي “تتناقر” عليها الحكومة وأغلبيتها في البرلمان وخارجه، فلا “تعمر” جيبا ولا “تشبع” بطنا، طبعا بالنسبة إلى المساكين، أما “الدوماليون” فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ف”عزيزهم في الذمة”، بخيط ويفصل وفريقه في القوانين بما يشتهون، ول”الغلابة” أرقام جافة وسوق مجنون!!







