ذات الوجوه نعاينها وهي تشرف على كراء “كراجات” ستوظف كمقرات حزبية مع إعادة فتح أخرى ظلت مغلقة لسنوات استعدادا للانتخابات.
الأمر يتعلق بقيادات حزبية ومسؤولين وبرلمانيين وأمناء عامّين يتقمصون اليوم دور التأطير والتعبئة والتواصل في زمن “القاسم”.
إذا كان هؤلاء ممن تناوبوا على الحكومات والمناصب، أو جثموا فيها منذ عقود غير معنيين بخطاب الملك الذي دعا لتجديد النخب، فمن المقصود إذن…
وهل بمثل هذه العينة سنخلق التغيير المنشود والضروري بعد أن صارت المجالس المنتخبة تورث، والبرلمان يضم تكتلات عائلية، والمناصب تخضع لإعادة التدوير في بلد تتعامل نخبته السياسية مع الانتخابات كـ”غنيمة”.
أليس هؤلاء من حولوا الأحزاب والنقابات إلى ملكيات خاصة لا ينقصها سوى التحفيظ العقاري بعد أن طبخوا المؤتمرات، وجعلوا الوصول للمكاتب السياسية والمناصب والوزارات حكرا على من يدين لهم بالولاء… أو ينخرط في حروب كسر العظام والمؤامرات التي عبدت طريقا سريعا لتجريف الأحزاب والنقابات، لنحصل في النهاية على هيئات كسيحة وعقيمة تغرق في الريع والانتهازية.
أحزاب تحكمها عقليات قديمة غير قادرة على فهم المتغيرات والتحولات الكثيرة التي طرأت على المجتمع المغربي وبنيته وطريقة تفكيره وأشكال تعبيره، وهو ما تأكد بعد احتجاجات جيل زد التي عرت حالة الفصام بين المسؤولين والمجتمع.
تجديد النخب وبعث الروح في العمل النقابي والسياسي لن يتم إلا بعد فتح باب واسع لمغادرة طوعية تشمل الشيوخ، وأيضا الكثير من الوجوه المحروقة شعبيا…. مع وضع آليات قانونية تحدد طريقة التداول على المسؤوليات، وتحديد سقف لعدد الولايات….
سيبقى ذلك مجرد حلم معلق ما دمنا مقبلين على انتخابات بدون عرض سياسي وبدون “وجه” أيضا ما دام الجميع منشغلا بحقه في “القاسم”.
اليوم نعاين الأحزاب التي لطالما اشتكت من التجريف والتدجين ومن التبخيس ومن الإساءة لأدوارها وصورتها منشغلة في الواقع بسوق الانتقالات التي تسبق موسم الانتخابات.
الجميع مشغول حد الهوس باستقطاب أرانب السباق و”الشناقة” والأعيان و”الحياحة” و”أصحاب الشكارة” الذين يشكلون أساس أي مشروع انتخابي مع استثناءات قليلة.
هؤلاء هم من يضمن الحصول على المقاعد وتولي المسؤوليات وتعبيد الطريق نحو الحكومة.
أما البرامج أو العروض التي تُعد بحس وطني، فلا تملك الأحزاب وجها ولا قدرة لتقدمها للرأي العام.
لقد صار الشارع مقتنعا اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن صناديق الانتخابات تنتج فقط ضجيجا للاستهلاك وكثيرا من نفايات الورق، وفي النهاية كائنات تغير جلدها بمجرد توليها للمناصب والمسؤوليات.
وضع ينبئ بتآكل شرعية عدد من المؤسسات ويعمق أزمة الثقة فيها.
عزوف لا يمكن للوضع الحالي إلا أن يزيد في مداه بعد أن استقالت معظم الأحزاب من الترافع عن قضايا المغاربة ليصبح النقاش العمومي رهينة لفقاعات التواصل الاجتماعي والتراشق الكلامي والاتهامات.
اليوم مقارنة بسيطة لواقع الأحزاب الحالي مع ما كان عليه الحال قبل سنوات قليلة يكشف أنها هي من تمادى في الانبطاح بحثا عن ريع المناصب والامتيازات التي تلقى إليها تباعا، وبالتناوب، ما جعلها في النهاية مثل الدجاج، عاجزة عن الطيران، ومستسلمة لليد التي تطعمها.
ممارسة الحكم وتدبير الشأن العام لا يتم بـ”الشفوي”، و”النوايا الحسنة”، والشارع ينتظر وجوها جديدة، كما ينتظر عرضا سياسيا مقنعا يمكن أن ينقذ الانتخابات من عزوف تاريخي قد يزيد من تآكل شرعية المؤسسات، ويزيد من مساحة الشك في مستقبل البلد، مادامت أكثر التقارير الرسمية تفاؤلا تؤكد أننا مقبلون على سنوات عجاف.
يقول المثل، لا يمكن أن تقوم بالأمر بنفس الطريقة مرتين وتتوقع نتيجة مختلفة، وأن الغبي وحده من يعاكس هذه الحقيقة….







