تجدّدت الدعوات لمنع الأميين من التسلل إلى المؤسسة التشريعية ومناصب المسؤولية، بعد نجاح وزارة الداخلية سنة 2015 في تمرير مشروع القانون التنظيمي للجهات والجماعات خاليًا من أي شرط يتعلق بالمستوى التعليمي للمرشحين للرئاسة، وهو ما فتح الباب مشرعًا للأعيان وذوي النفوذ ممن لم تطأ أقدامهم أبواب المؤسسات التعليمية.
ورغم التبريرات التي ساقتها وزارة الداخلية حينها، من كون إقرار هذا الشرط “يتعارض مع الدستور ومع حرية الترشح والمساواة بين المواطنين”، فإن ما حدث كشف بشكل واضح أن الحسم في عدد من التعديلات تم في الكواليس وخارج لجنة الداخلية، وكانت مؤشراته ظاهرة بفعل الضغوط والرسائل الواضحة والمشفرة التي مورست، سواء من طرف بعض الأحزاب أو من طرف لوبي مُشكّل من رؤساء الجماعات، في إطار جمعية أُحدثت لكسر احتكار مناقشة هذه القوانين بين الحكومة والأغلبية والمعارضة.
ملفات فساد العمال والولاة
استبق عدد من صقور العمل الجماعي بالمغرب مناقشة هذه القوانين بتشكيل جمعية رؤساء مجالس الجماعات، التي كانت بمثابة لوبي ضغط قوي من أجل إحداث تعديلات وحذف بنود رأى أنها ستقطع الطريق على عدد من الممارسات التي تحولت إلى عرف في التسيير الجماعي.
هذه الجمعية، التي طالبت وقتًا قصيرًا بعد إحداثها بفتح ملف فساد العمال والولاة، وهددت بشكل صريح وزارة الداخلية بخوض معركة قوية وعدم السكوت عما وصفته بالتراجعات الخطيرة بعد الكشف عن مسودة مشروع القانون المتعلق بالجماعات، تحولت، بعد شهور، حسب تصريحات الشرقي الضريس، إلى شريك أساسي لوزارة الداخلية، التي لم تتردد في توقيع اتفاقية دعم سخي بقيمة 15 مليون درهم موزعة على ثلاث سنوات.
هذا التغيير السريع في الخطاب والعلاقة بين الطرفين استبقته تصريحات قوية صدرت عن هذه الهيئة، التي رأى فيها عدد من المتتبعين إطارًا أُحدث للضغط والحصول على أكبر المكاسب خلال عملية تنزيل القوانين التنظيمية، وهو ما عكسته فقرات من الرسالة التي وُجهت باسمها لوزارة الداخلية، والتي طالبت فيها بـ”الاستجابة لمطالب وحاجيات المجالس الجماعية القروية والحضرية، حتى لا تُخلف موعدها مع التاريخ فيما يخص إصلاح الأوضاع والاختلالات الحالية”.
الجمعية كان لها حينها نفوذ قوي لم تتردد في ممارسته، رغم أن وجودها يتعارض مع القوانين المنظمة للجمعيات بصفة عامة، بحكم الأدوار المكشوفة التي قامت بها.
ورغم أن الجمعيات يتعين ألا تكون لها أهداف سياسية، فإن الواقع أثبت أن جمعية رؤساء الجماعات تحولت إلى ما يشبه نقابة للدفاع عن رؤساء الجماعات في وجه ممثلي الدولة والجهاز التنفيذي، والبحث فقط عن مصالحها الضيقة، وخدمة أجندة ضيقة للوبيات، وهو ما جعلها تفرط في الإطناب والمدح لوزارة الداخلية حين تتلاقى المصالح، قبل أن تعوض ذلك بلغة أخرى حين تتعارض المصالح، علمًا أن تعارض وتلاقي المصالح هو ما أفرز الدعم المالي الذي قدمته الوزارة للجمعية.
الداخلية في مواجهة العماري ومبديع
والغريب أن بعض الانتقادات الشديدة اللهجة الموجهة لوزارة الداخلية صدرت عن وزراء من خلال الجمعية في عز قوتها، ومن بينهم محمد مبديع، الذي يقبع حاليًا في السجن، بعد أن دعا إلى التعبئة وإلى جبهة موحدة من أجل الانخراط فيما وصفها بـ”المعركة القوية”، بعد الكشف عن مسودة المشروع. فيما ذهب عمدة سابق لمدينة طنجة أبعد من ذلك، وهو يتهم واضعي المسودة بالقفز على الدستور، ليضيف في رسالة تحدٍّ واضحة خلال أشغال المجلس الإداري للجمعية بأنه “لا أحد سيفرض علينا قانونًا” لا يوازي ما سماه بالتطورات الحاصلة في المغرب.
وهاجم محمد مبديع الوزير المنتدب المكلف بالوظيفة العمومية، ورئيس جماعة الفقيه بنصالح حينها المسودة، وقال إنها “تتضمن تراجعات قوية وخطيرة جدًا لا يمكن أن نسكت عنها”، فيما طالب فؤاد العماري، عمدة مدينة طنجة، بفتح ملفات فساد العمال والولاة، وقال: “لا يمكن أن نبقى دائمًا تحت رحمة هؤلاء”.
وشدد مبديع على أن رئيس الجماعة هو أول صمام أمان وأول مخاطب للشعب، وقال: “العامل والوالي مدور عليه السور والمخازنية، والوزير ساكن بعيد، أما رئيس الجماعة بوحدو فعركوب العافية، ويقدر للمواطن يدخل عليه حتى فبيت النعاس”.
ومن جانبه، قال فؤاد العماري، عمدة مدينة طنجة السابق، بفتح ملفات فساد الولاة والعمال، مشيرًا إلى أن واضعي المسودة “حاولوا تكريس فقدان الثقة في المنتخبين، الذي كان أمرًا مقصودًا في مرحلة معينة من تاريخ المغرب واستمر لعقود”، وقال: “ليس المنتخب فقط من يقع في أغلاط، وعلاش ما عمرنا ما سمعنا شي والي ولا شي عامل دارو عليه ملفات ولا تقارير”، ليضيف بأن المجالس الجهوية، عوض أن تفحص مالية الجماعات، “تفتحص سياسات الجماعات”.
البيجيدي يصوت بالإيجاب
هذه المواقف فسرت، في جزء منها، أسباب تصويت حزب العدالة والتنمية بدوره على صيغة المشروع، رغم التحفظات والرفض المعلن من طرف عدد من برلمانييه بخصوص إلغاء شرط المستوى التعليمي، إلا أن هذا لم يمنع الحزب من التصويت بالموافقة مع الأغلبية بعد المشاورات التي تمت خلال اجتماع اللجنة.
وكانت عدد من علامات الاستفهام قد لاحقت أسباب عدم دفاع الجمعية عن مبدأ المناصفة الذي اختفى من أجندتها، لتعارضه مع مصالح من تخندقوا فيها، بحكم أن الأخيرة صمتت عن هذا المبدأ رغم أنه مبدأ دستوري، في الوقت الذي كشرت عن أسنانها من أجل إسقاط شرط المستوى التعليمي بدعوى تعارضه مع الدستور، ما يفضح الخلفيات والأهداف السياسية التي تتحكم في تحركاتها.
نكسة جديدة
اليوم يعود النقاش إلى الواجهة من جديد: كيف لرئيس أمي أن يتعامل مع أطر الدولة التي تشترط مستوى معرفيًا وعلميًا عاليًا لتولي مناصب المسؤولية؟ وكيف سيمكن له أن يكون مفاوضًا شرسًا للدفاع عن مصالح المنطقة التي يمثلها، علمًا أن رؤساء المجالس يقاسمون الدولة مجموعة من الاختصاصات بموجب القانون.







