خمس سنوات مضت على تلك اللحظة التي استبشر فيها المغاربة بـ”النموذج التنموي الجديد”، كوثيقة تعاقدية وُصفت حينها بأنها “ثورة هادئة” ستنقل المملكة إلى مصاف القوى الصاعدة. لكن، وبحلول ربيع 2026، يبدو أن تلك الوثيقة التي صيغت بلسان مغربي بليغ، قد اصطدمت بوعورة “التنزيل” وبرودة المكاتب الحكومية، ما استدعى تدخل “جراح” خارجي لفك شفرة الجمود؛ وهنا دخل البنك الدولي على الخط، ليس فقط بصفته مانحا، بل كمهندس يضع “خارطة طريق” عملية، في خطوة يراها مراقبون اعترافاً ضمنيا بأن الحكومة فشلت في تحويل “نصوص” النموذج التنموي إلى “خبز” وفرص شغل على أرض الواقع.
وتؤكد مصادر مطلعة من داخل دوائر التخطيط الاقتصادي بالرباط، أن التقارير الأخيرة الصادرة عن مؤسسة “بريتون وودز” لم تكن مجرد استشارات روتينية، بل هي “كتيب تشغيل” (Manual) جاء ليسد فجوة هائلة تركها العجز الحكومي عن أجرأة التوصيات الكبرى.
فبينما كانت اللجان الوزارية غارقة في “التنظير” وتدبيج التقارير الدورية، جاء خبراء واشنطن بلغة الأرقام الصارمة، واضعين الأصبع على الجرح “المغرب يحتاج إلى 1.7 مليون منصب شغل إضافي بحلول 2035″، وهي المهمة التي يبدو أن الحكومة لم تكن تملك “البوصلة” التقنية لتحقيقها بمفردها. هذا “الاستنجاد” التكنوقراطي بالبنك الدولي يطرح، وفقا للمصادر، سؤالاً مرّاً “هل انتهى زمن الاجتهاد الوطني المستقل ليبدأ زمن “الإصلاحات تحت الطلب”؟”
وترى المصادر التي واكبت مسار النموذج التنموي منذ ولادته، أن التدخل الأخير للبنك الدولي يمثل “عملية إنقاذ” لنموذج كان يواجه خطر التحول إلى مجرد أرشيف أدبي. فإشارة التقرير إلى أن نمو السكان في سن العمل فاق نمو التشغيل بـ 2.5 مرة خلال العقدين الأخيرين، هي صفعة رقمية لسياسات عمومية ادعت طويلاً النجاعة.
هذه المعطيات، التي استند إليها البنك الدولي، تؤكد أن “الماكينة” المغربية كانت تنتج الإسمنت والموانئ والطرق السيار، لكنها فشلت في إنتاج الكرامة الاقتصادية للشباب والنساء.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن الصياغة المشتركة مع الحكومة كانت في الواقع محاولة لـ”تبييض” عجز الأداء التنفيذي، وإعطائه صبغة دولية تشرعن الإصلاحات الهيكلية القادمة، والتي قد تكون “مؤلمة” اجتماعيا.
ووفقا للمصادر فإن الخطورة في هذه “الخارطة” التي رسمها البنك الدولي، تكمن في أنها تنقل مركز ثقل القرار التنموي من “الإرادة الوطنية” إلى “الالتزامات الدولية”.
فبينما كان النموذج التنموي يتحدث عن سيادة اقتصادية وادماج اجتماعي نابع من الخصوصية المغربية، يأتي التقرير الجديد ليربط النمو بقطاعات دقيقة وموجهة خارجياً، مثل النسيج منخفض الكربون والأركان التجميلي وتربية الأحياء المائية.
هذا التحديد القطاعي، الذي يصفه خبير اقتصادي في حديث مع نيشان بأنه “هندسة من الخارج”، قد يفتح الباب أمام كبار المستثمرين الدوليين على حساب النسيج المقاولاتي المحلي الصغير، مما يحول حلم “النمو الشامل” إلى سباق محموم نحو تحقيق أرقام ترضي الدائنين في واشنطن، أكثر مما تروي ظمأ العاطلين في أحياء الدار البيضاء أو قرى الأطلس.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن قراءة “خارطة الطريق” هذه بمعزل عن سياق “الارتهان” المالي؛ فالحكومة التي وجدت نفسها محاصرة بين طموحات نموذجها التنموي وبين واقع مالي يتطلب تدفقات مستمرة من القروض، لم تجد بداً من تسليم مفاتيح “التنزيل” للبنك الدولي. وضع وصفته المصادر، ب “مقايضة صعبة”، من خلال الحصول على “صك غفران” دولي مقابل التخلي عن “روح” النموذج التنموي الأصلية لصالح نسخة “مبسترة” تقنياً.
وبينما تروج المكاتب الرسمية لهذه التقارير كإنجاز، يظل التحدي الحقيقي بحسب المصادر، هو هل تستطيع حكومة تعجز عن وضع خارطة طريق لنفسها أن تنفذ خارطة وضعها غيرها؟ الأيام القادمة، وبوصلة الـ 1.7 مليون وظيفة الموعودة، ستكون هي الحكم النهائي على ما إذا كنا أمام انطلاقة جديدة، أم مجرد محاولة أخرى لبيع “الوهم الرقمي” في ثوب دولي أنيق.







