تكشف الأرقام الأخيرة الصادرة عن الخزينة العامة للمملكة بشأن تنفيذ قانون المالية عند متم مارس 2026، عن مفارقة اقتصادية واجتماعية تثير الكثير من التساؤلات حول فلسفة التدبير المالي التي تنهجها الحكومة الحالية، ففي الوقت الذي يترنح فيه المواطن المغربي تحت وطأة غلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية بفعل الارتفاع غير المسبوق في أسعار المواد الأساسية، تخرج الأرقام الرسمية لتزف “بشرى” تحقيق فائض ميزانياتي ناهز 6.5 مليار درهم.
هذا الرقم الذي قد يبدو في ظاهره مؤشراً على “عافية” مالية وتدبير محكم للموارد العادية التي بلغت 191.9 مليار درهم، يخفي خلفه هوة سحيقة بين لغة المحاسبة الماردة وبين نبض الشارع المنهك، إذ تطرح مصادر اقتصادية تساؤلات مشروعة حول جدوى هذا الفائض إذا لم ينعكس بشكل مباشر على خفض كلفة العيش أو تعزيز الدعم الاجتماعي.
وترى المصادر ذاتها أن هذا الفائض المعلن لا يمكن قراءته بمعزل عن سياسة “التحفظ الإنفاقي” التي قد تكون الحكومة قد مارستها في القطاعات الحيوية، معتبراة أن تحقيق رصيد إيجابي في ظل أزمة تضخمية هو دليل على أن الدولة نجحت في امتصاص السيولة من جيوب دافعي الضرائب عبر المداخيل الضريبية التي تشكل عماد الموارد العادية، لكنها في المقابل تتردد في إعادة ضخ هذه الأموال كاستثمارات عمومية أو دعم مباشر يخفف من حدة الأزمة.
وتضيف ذات المصادر أن “بطولات الأرقام” التي تقدمها الخزينة، من قبيل نسبة إنجاز الموارد التي بلغت 30.5 في المائة، تظل أرقاماً “صماء” أمام حقيقة أن هذه الموارد تغذت بالأساس على الضرائب غير المباشرة التي يدفعها المواطن البسيط عند كل عملية استهلاك، مما يجعل الفائض المحقق نوعاً من “الادخار القسري” الذي تمارسه الدولة على حساب الرفاه الاجتماعي.
وتخلص المصادر، الى ان الاكتفاء برصد فائض الموارد على التكاليف بقيمة 17.9 مليار درهم (بعد احتساب الاقتراضات) يكرس الانطباع بأن الأولوية الحكومية لا تزال محصورة في طمأنة المؤسسات المالية الدولية وضمان توازنات الماكرو-اقتصادية، حتى لو كان الثمن هو تعميق “الجفاف المالي” في ميزانيات الأسر المغربية التي باتت تجد صعوبة متزايدة في مجاراة إيقاع الأسعار، وهو ما يضع الحكومة أمام مواجهة مباشرة مع منطق يقول إن “فائض الخزينة” لا قيمة له إذا لم يصحبه “فائض في الكرامة المعيشية” للمواطن.







