بعد نحو عقد من عودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، رسّخ المغرب حضوراً لافتاً داخل مؤسسات القارة، ووسّع شبكة تحالفاته واستثماراته. غير أن هذا التقدم الدبلوماسي والاقتصادي لا يوازيه دائماً شعور مماثل بالقبول المجتمعي في بعض الفضاءات الإفريقية، وهو ما برز بوضوح عقب نهائي كأس إفريقيا للأمم 2025 الذي احتضنته الرباط، بحسب ما أوردته “جون أفريك”.
ففي 18 يناير 2026، لم يكن فوز السنغال على المغرب مجرد نتيجة رياضية، بل تحوّل—في عدد من المدن الإفريقية—إلى لحظة تعبير رمزية عن مسافةٍ ما زالت قائمة في التمثلات المتبادلة.
ووفق المصدر ذاته، رافقت النتيجة موجة تعليقات وانتقادات على الشبكات الاجتماعية، عكست تصورات متباينة حول موقع المغرب داخل محيطه الإفريقي.
سؤال الهوية.. بين الإرث والتحول
يرى الباحث في علم الاجتماع مهدي عليوة أن ما كشفته تلك اللحظة يتجاوز الرياضة إلى سؤال الهوية: “المغرب لا يعرف بعدُ تماماً أنه إفريقي”، في إشارة إلى مسار تاريخي طغت عليه روافد عربية ومتوسطية، مقابل حضور محدود لإفريقيا جنوب الصحراء في المناهج والتمثلات لدى أجيال سابقة، وفق “جون أفريك”.
ورغم ذلك، تسجّل السنوات الأخيرة تحولات ملموسة: تزايد حضور الطلبة والمهنيين القادمين من دول جنوب الصحراء، وتنامي الروابط الاقتصادية والثقافية، خصوصاً في مراكز مثل الدار البيضاء والرباط. غير أن فجوة المعرفة المتبادلة ما تزال قائمة، وهو ما ينعكس—بحسب التحليل نفسه—في صور نمطية أو إحساس بعدم التكافؤ لدى بعض الفاعلين.
دبلوماسية الصبر وتراكم المكاسب
منذ العودة إلى الاتحاد الإفريقي، اعتمد المغرب مقاربة تدريجية قائمة على الحضور المستمر والعمل التقني. ويتجلى ذلك في انتخابه لولاية ثالثة متتالية داخل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد (2026)، وفي مبادرات تنظيمية سابقة مثل احتضان لقاءات إصلاح طرق اشتغال المجلس سنة 2019.
كما عززت زيارات مسؤولي الاتحاد إلى الرباط هذا المنحى، إذ نوّه رئيس مفوضية الاتحاد، محمود علي يوسف، بدور الخبرة المغربية داخل أجهزة المنظمة، وفق “جون أفريك”.
في السياق ذاته، يوضح الدبلوماسي السابق محمد لوليشكي أن الرباط تعتمد خطاب “الشراكة” بدل “القيادة”، مع تطوير أدواتها للتكيف مع بيئة دولية أكثر تنافسية، حيث باتت مواقفها أكثر وضوحاً في ملفات متعددة دون تغيير جوهر عقيدتها.
شبكة تحالفات.. وحضور اقتصادي متنامٍ
بموازاة العمل المؤسساتي، وسّع المغرب حضوره الاقتصادي في القارة عبر قطاعات البنوك والاتصالات والأسمدة والتكوين. وتشكل دول مثل كوت ديفوار والسنغال والغابون والكونغو وجيبوتي ركائز أساسية في هذا الامتداد.
وتبرز هنا أدوار مؤسسات مثل الوكالة المغربية للتعاون الدولي، التي راكمت—وفق المعطيات المتاحة—تجربة في تكوين عشرات الآلاف من الأطر الإفريقية واستقبال آلاف الطلبة سنوياً، بما يخلق روابط بشرية طويلة الأمد تتحول تدريجياً إلى رصيد نفوذ.
ملف الصحراء.. مكاسب خارج القارة
في المقابل، يظل ملف الصحراء عنصراً محدداً للتوازنات داخل الاتحاد الإفريقي، حيث لا تزال الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية عضواً في المنظمة بدعم من بعض الدول.
غير أن تحولات مهمة سُجّلت خارج الإطار الإفريقي، من بينها قرار مجلس الأمن رقم 2797 (أكتوبر 2025) الذي اعتبر مقترح الحكم الذاتي “الأكثر واقعية”، إلى جانب مبادرات داخل الكونغرس الأمريكي لتصنيف جبهة البوليساريو تنظيماً إرهابياً (وفق المصدر). وهو ما يعكس مفارقة مفادها أن جزءاً من موازين القوة يُحسم خارج أديس أبابا.
المبادرة الأطلسية.. إعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية
في سياق البحث عن أدوات جديدة للاندماج الإقليمي، أطلق الملك محمد السادس سنة 2023 “المبادرة الأطلسية”، التي تهدف إلى ربط دول الساحل غير الساحلية بالمحيط الأطلسي عبر البنية التحتية المغربية، خاصة ميناء الداخلة.
ويشمل المشروع ممرات طرقية ومينائية وطاقية، إضافة إلى مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، بما يعيد تشكيل طرق التجارة في غرب إفريقيا. وقد حظي بدعم عدد من دول الساحل، مع استمرار مشاورات لضم شركاء إقليميين آخرين.
حصيلة مرحلية.. ورهان طويل النفس
بعد ما يقارب عشر سنوات، تبدو حصيلة المغرب الإفريقية مزدوجة: نجاح في ترسيخ الحضور داخل المؤسسات وبناء تحالفات مؤثرة، مقابل استمرار تحديات تتعلق بالاندماج المجتمعي وصورة “الأفريقانية” لدى الرأي العام.
وبين المكاسب والقيود، يظل الرهان مفتوحاً على المدى الطويل. فكما خلصت إليه قراءة “جون أفريك”، فإن المغرب غيّر قواعد اللعبة داخل المؤسسات، لكنه ما يزال مطالباً بكسب معركة التمثلات والانتماء في الفضاءات الشعبية الإفريقية—وهي معركة لا تُحسم في القاعات الرسمية وحدها.







