في 5 ماي 1818 ولد كارل ماركس، الرجل ذو اللحية المبعثرة، الذي رتّب العالم في طبقات متصارعة، وحرّض العمال على الثورة من أجل إسقاط ديكتاتورية “الرأسمال”، وإقامة ديكتاتورية أخرى على أنقاضها، سمّاها “ديكتاتورية البروليتاريا”، وهي طبقة العمال والفلاحين والعاطلين، وغيرهم من المسحوقين تحت حذاء “البورجوازية المتعفنة”، كي نغرف من القاموس الشيوعي الأنيق.
رجل ملأ الدنيا وشغل الناس، وغيّر ملامح القرن العشرين، أفكاره حررت بعض الشعوب، ووضعت أخرى في سجن كبير، وأودت بملايين الأرواح في حروب شرسة على السلطة والنفوذ، وألهمت جرائم كبرى في العصر الحديث، ألم يكن ستالين ماركسيا؟ ألم يُبِـدْ پول بوت ملايين “الخمير الحمر” تحت راية عليها منجل ومطرقة؟ رغم أن البعض مقتنع بأن مؤلف “كتابات عسكرية” بريء من هذه الجرائم… فهل فعلا ماركس غير معني بما ارتكب باسمه من فظاعات؟ ربما، لكن الأنظمة الحمراء كانت تحارب وتعتقل وتعذب باسم “البيان الشيوعي”، مثلما تقتل التنظيمات الإرهابية اليوم باسم “القرآن”، والفرق بين كتاب المسلمين وكتاب الشيوعيين، هو الفرق بين السماء والأرض !
مهما يكن، فإن صاحب “رأس المال” كان رجلا عظيما، أمضى حياته يفتش عن قوانين الصراع الطبقي، وكيفية تحويل الجوع إلى طاقة تقود العمال إلى السلطة، على جثث من يستغلونهم ويتحكمون في “وسائل الإنتاج”.
في 1917، دخل لينين إلى موسكو على عجل، قادما من سويسرا، وأسقط القيصر، بعد أن التهم كلّ مؤلفات ماركس، وأسس الاتحاد السوفياتي، لكنه غادر على عجل أيضا، قبل أن يكتمل الحلم الشيوعي، وسلم البلد لستالين، الذي فتك بالرفيق تروتسكي وكلّ منافسيه، وحوّل الماركسية إلى إيديولوجية تقطر بالدم !
في المغرب، بدأت الماركسية مع “الحزب الشيوعي”، الذي تأسس في الأربعينيات، وكان يضم مغاربة وفرنسيين، قبل أن يستلمه الحاج علي يعتة، الذي أدخل الماركسية إلى الإسلام أو أدخل الإسلام إلى الماركسية. وفي السبعينيات، سيطر ذو اللحية المشعثة على الجامعة المغربية، مع ميلاد منظمات أقصى اليسار، مثل “23 مارس” و”إلى الأمام” و”لنخدم الشعب”، وغيرها من التنظيمات الراديكالية التي تعرضت لقمع شرس من طرف السلطة، وانتهى قادتها في السجون والمنافي. الماركسيون حركوا التاريخ السياسي المغربي، وضعوه أحيانا على الحافة، لكنهم أسهموا في التقدم نحو “الإنتقال الديمقراطي”، الذي دشنه الحسن الثاني نهاية القرن الماضي، رغم أنه لم يكتمل، وتلك قصة أخرى. كما أسهموا في رد الاعتبار إلى ضحايا “سنوات الرصاص”، حيث كانوا في قلب مسلسل “المصالحة”، الذي قاده الراحل إدريس بنزكزي، واحد من أبناء ماركس البررة.
لم يبق اليوم إلا حزب إسمه “النهج الديمقراطي”، يعيش على الهامش، ولا تمنحه الدولة أي فرصة للتعبير عن مواقفه. في البلدان التي تحترم التعدد، تجد هذه الأصوات مساحة للتعبير عن رأيها، مهما كان متطرفا، حفاظا على صحة الديمقراطية وعافيتها. في فرنسا مثلا، تعبّر تنظيمات أقصى اليسار عن أفكارها بحرية في الإعلام العمومي، وتقدّم مرشحين للانتخابات الرئاسية، رغم أن بعضها مازال يؤمن بالعنف الثوري، مثل “الكفاح العمالي” و”الحزب الجديد المناهض للرأسمالية”!
لكن العصر الذهبي للماركسية بات وراءنا، بعد انهيار ما كان يعرف ب”المعسكر الشرقي”، التجسيد السياسي والجغرافي الأكثر نجاحا ل “المادية الجدلية”. الدولة الشيوعية سقطت قبل أن تتحقق، لكن الفكرة مازالت صامدة في كتب الرجل الذي أبدع النظرية الاقتصادية الأكثر راديكالية في تاريخ البشرية. ماركس مازال حيا في كوبا، وفي الصين أيضا، التي يذكرنا قادتها، من حين لآخر، أنها دولة شيوعية.
في البيوغرافيا المشوقة، التي خصصها جاك أتالي لفيلسوف “الصراع الطبقي”، تحت عنوان ” كارل ماركس أو روح العالم” *، يقول مستشار فرانسوا ميتران: “عندما نقرأ أعمال ماركس بتمعن، نكتشف أنه لم يعتبر يوما أن الرأسمالية تحتضر، ولا أن الاشتراكية على مرمى حجر في أي جهة من العالم. على العكس من ذلك، بشّر بالتبادل الحر وبالعولمة، وتنبأ بأن الثورة لن تأتي، إذا ما أتت، إلا بعد أن تصبح الرأسمالية كونية، كي تتجاوزها”…
لم تفشل الشيوعية إذن، بل تطبيقها المتسرع هو الذي أخفق. أفكار ماركس مازالت متقدة وتلهم الملايين، في انتظار أن تنضج العولمة أكثر ويستفحل الرأسمال، كي تنتصر.
وإذا كانت سمعته الثورية تسبقه، فإن ماركس كاتب وزميل صحافي قبل كل شيء، أمضى حياته في التأليف وتدبيح المقالات في الفلسفة والفكر والاقتصاد والسياسة… صحيح أنه كان يكتب كي يؤثر على الأحداث ويوجه التاريخ ويغير الواقع، لكن المسافة بين النص والتطبيق مثل المسافة بين الحلم والواقع، بين الفكرة والدولة، محفوفة دائما بالمخاطر، وبالجثث أحيانا !
*Jacques Atali, Karl Marx ou l’esprit du monde, Fayard, 2005







