في مشهد تنموي تتباهى فيه الأرقام الكلية بنمو اقتصادي نسبي وإصلاحات كبرى، تنسف التفاصيل الواردة في التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات لعام 2024-2025 أي صورة نمطية عن “المغرب المنتصر”، لتكشف عن واقع أكثر تعقيداً وإيلاماً: مغربان يعيشان في زمنين مختلفين، داخل حدود دولة واحدة.
عندما تصبح الأرقام سردية صارخة
لا يحتاج المرء إلى قدرات استثنائية في التحليل ليدرك أن قراءة التقرير الصادر عن المؤسسة الرقابية العليا تشبه الخوض في تشريح اجتماعي لواقع مرير. فالأرقام الجافة التي تتحدث عن 3.8% نمواً سنة 2024، وعن ارتفاع المداخيل الجبائية بنسبة 14.5%، وعن تحسن عجز الميزانية، هي أرقام خادعة إذا ما قورنت بالخرائط الجغرافية للتفاوت المسجلة في ثنايا التقرير نفسه.
هنا يكمن الفارق بين الاقتصاد الكلي كسلعة سياسية تسوق في المحافل الدولية، وبين الميكرو-اقتصاد الاجتماعي الذي يعيشه المواطن في المناطق النائية. فالمجلس الأعلى للحسابات، في رصانته المؤسساتية المعتادة، يقدم خدمة جليلة للبحث الاجتماعي من خلال وثيقة لا تكتفي بعد الأصفار، بل تفككها جغرافياً وقطاعياً.
الجغرافيا كقدر… تفاوتات “ممنهجة” في توزيع الثروة والخدمات
يكشف التقرير، دون مواربة، أن مفهوم “العدالة المجالية” الذي جاءت به الخطابات الملكية السامية لا يزال رهيناً بعراقيل بنيوية عميقة. فالمعطيات المتعلقة ببرنامج تقليص الفوارق المجالية (2017-2023) تفضح أن 51% من المشاريع أسندت إلى العمالت والأقاليم، و20% إلى الجهات، و22% إلى المصالح اللاممركزة، بأداء متفاوت ومتأثر بقدرات كل هيئة. وهنا تكمن الكارثة الصامتة: إعادة إنتاج التفاوت عبر إسناد مشاريع بهذا الحجم إلى هيئات ليست متكافئة في قدراتها التدبيرية والتقنية.
بلغة سوسيولوجية، يمكن القول إن التقرير يثبت وجود “رأسمال ترابي” غير متوازن. فالجهات التي تملك تاريخاً من التراكم الإداري والكفاءات البشرية (كالدار البيضاء والرباط) تنجز بوتيرة أسرع، بينما تغرق جهات مثل كلميم-واد نون ودرعة-تافياللت في مستنقع التعثر، حيث لا تتجاوز نسبة إنجاز المشاريع بها 65% و71% على التوالي في بعض القطاعات.
ولعل أكثر ما يدمي القلب اجتماعياً هو ما كشفه التقرير عن الفئات الهشة:
• مأساة القروي: توجد 95% من المقابر في المجال القروي معظمها غير مراقبة وغير مؤهلة، و82% من مشاريع الطرق أنجزت، لكنها غالباً ما تظل غير مستغلة أو مشتركة في الاستعمال تنتهي إلى إتلافها سريعاً.
• الصحة كسلعة نادرة: رغم إصلاح “الحماية الاجتماعية”، فإن التقرير يكشف أن 91% من نفقات التأمين الإجباري عن المرض تذهب للقطاع الخاص، و9% فقط للقطاع العام. إنه تحويل منظم للمرضى نحو القطاع الخاص المربح، بينما تستمر المؤسسات العمومية في معاناتها من نخر البنى التحتية وغياب الأطر الطبية.
هذا ليس مجرد فشل تدبيري، بل هو إعادة إنتاج للاستبعاد الاجتماعي بشكل منهجي، حيث يصبح السكن في منطقة قروية أو حتى في مدينة متوسطة، حكماً بالسجن في جودة خدمات من الدرجة الثالثة.
“لا لمغرب يسير بسرعتين”… اعتراف مؤلم بالواقع
تستوقفنا العبارة الملكية التي استحضرها التقرير: “فلا مكان اليوم ولا غداً، لمغرب يسير بسرعتين”. هذه العبارة التي قد تبدو في ظاهرها نداءً أخلاقياً، تحمل في عمقها، في ضوء أرقام المجلس الأعلى للحسابات، اعترافاً سوسيولوجياً مريراً.
إن “السرعتين” هنا ليست مجرد استعارة أدبية، بل هي حالة بنيوية تكرسها آليات التخطيط والتمويل والتنفيذ الحالية. الجهات التي تمتلك “السرعة” هي تلك التي نجحت في جذب الاستثمار الخاص (أكثر من 58% من الناتج الداخلي الخام تنتجه ثلاث جهات كبرى)، وتلك التي تمتلك نخباً إدارية قادرة على ابتلاع الإجراءات البيروقراطية والالتفاف عليها. أما الجهات “البطيئة” فهي تعاني من فقر في “الرأسمال السياسي” والضغط اللوبي، ومن مركبات من الفقر تمنعها حتى من استهلاك خدماتها الأساسية.
عندما يعلن المجلس الأعلى للحسابات أن ما يناهز 8% من المشاريع المنجزة غير مستغلة بسبب غياب الموارد البشرية أو التجهيزات الأساسية (مدارس بلا أساتذة، مراكز صحية بلا أدوية، وحدات لتحلية المياه بلا صيانة)، فإنه يفضح أن البطء ليس فقط في البناء، بل في نسق التفكير الإداري نفسه الذي يفصل بين إنجاز الحجر وتوفير الروح.
البيروقراطية كأيديولوجية مقاومة للتغيير
ما يثير السخرية المؤلمة في التقرير هو استمرار الأعطاب التي كانت موضوع توصيات في سنوات سابقة. ففي مجال الصحة، توصيات كانت تتعلق بتأهيل المؤسسات الاستشفائية لم تُنفذ. وفي قطاع الماء، تأخر إصدار النصوص التطبيقية للقانون رقم 36.15 حال دون تفعيل أنظمة تحلية المياه بالشكل الأمثل. وفي التعليم العالي، جامعات بأكملها تُبنى دون رؤية استراتيجية أو دراسة للحاجيات.
هذا التكرار في النقائص يشير إلى وجود مناعة بيروقراطية ضد الإصلاح. ليست المشكلة في غياب القوانين، فالقوانين موجودة، بل في “ثقافة التنفيذ” المهترئة. هناك “أخلاقيات عمل” هجينة، تمزج بين الخوف من المساءلة (ما يدفع إلى شل الحركة) والاستهتار بالمال العام (ما يدفع إلى صرفه دون رقابة).
يكشف التقرير أن نظام المراقبة الداخلية في العديد من المؤسسات العمومية إما غير موجود أو غير مفعل. الحديث عن صندوق التكوين المهني المشترك بين المقاولات المنجمية الذي لا يتوفر على معطيات كاملة عن المقاولات الملزمة بالمساهمة، أو عن وكالات وطنية لا تطبق قواعد الصفقات العمومية، كل ذلك يرسم صورة لإدارة عمومية تعيش في “اقتصاد موازٍ” من الفوضى الإدارية.
المجلس الأعلى للحسابات: إصلاحي في مواجهة ثقافة الفساد
الدور الذي يلعبه المجلس الأعلى للحسابات هنا هو دور الضامن الأخلاقي للدولة الاجتماعية. إنه ليس مجرد هيئة تقنية تراجع حوا Libraries، بل هو “ضمير الدولة” المؤسساتي، الذي يحاول إعادة توجيه القطار العمومي نحو مساره الصحيح عبر إصدار آلاف التوصيات.
الأرقام المخجلة التي قدمها المجلس حول قضايا التأديب المالي (غرامات بقيمة 4.1 مليون درهم، وإرجاع مبالغ خسارة) لا تعكس حجم الفساد بقدر ما تعكس حجم الجهد الاستقصائي الذي يبذله المجلس وسط بحر من الإفلات. الإحالات العشرون التي أحيلت على النيابة العامة بشأن أفعال قد تكتسي طبيعة جنائية، تؤكد أن المجلس يمسك بخيوط فساد حقيقية، لكن المعركة الحقيقية هي مع النظام القضائي العادي الذي غالباً ما يبتلع هذه الملفات.
المجلس، من خلال تفعيله لمنصة تتبع التوصيات، يحاول بناء ثقافة المساءلة من الصفر. لكن صمود 37% من التوصيات دون أي تقدم في التنفيذ يكشف عن أزمة ثقة عميقة بين الجهاز الرقابي والأجهزة التنفيذية. إنها معركة بين “منطق القانون” و”منطق التدبير اليومي” الذي يتغذى على الارتجال.
أزمة النخب وتناقضات “الدولة الاجتماعية”
التحليل السوسيولوجي للتقرير يقودنا إلى استنتاج مفاده أن مشروع “الدولة الاجتماعية” الذي يقوده المغرب (تعميم الحماية الاجتماعية، الدعم المباشر، إصلاح الصحة) يصطدم بسقف زجاجي هو محدودية النخب التدبيرية.
فكيف يمكن توزيع 25 مليار درهم كدعم اجتماعي مباشر بينما آليات الاستهداف لا تزال بدائية؟ وكيف يمكن الحديث عن مدرسة النجاح بينما التقرير يكشف عن غياب نظام معلوماتي مندمج لوزارة التربية الوطنية، وهدر رقمي يمنع حتى من حصر البيانات؟
هنا يظهر التناقض الأكبر: خطاب طموح (الدولة الاجتماعية) يواجه إدارة كلاسيكية (بيروقراطية ما بعد الاستعمار). النخب الحاكمة في الإدارات الترابية لم تعتد بعد على منطق “الأثر” و”النتائج”، وما زالت أسيرة منطق “الوسائل” و”استهلاك الاعتمادات” خوفاً من تجميدها في السنة الموالية.
السقف الزجاجي للتنمية
يقدم التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات خلاصة قاسية ولكنها ضرورية: المغرب لم يعد يجهل ما يجب فعله، فأغلب التوصيات واضحة وموجّهة وموضوعية. المشكلة تكمن في أن “السرعة” التي يحتاجها الإصلاح تتعارض مع “بطء” تحول الأذهان والعقليات الإدارية.
إن النداء الملكي “لا لمغرب يسير بسرعتين” يبقى حلماً جميلاً ما لم يُترجم إلى ثورة في الحكامة المحلية. فطالما أن الجماعة القروية لا تستطيع جذب مهندس أو طبيب، وطالما أن صفقات التجهيزات الكبرى تخضع لمنطق “الأثمنة” بدل منطق “الجودة”، فإن التقرير القادم للمجلس الأعلى للحسابات سيظل يردد نفس النغمة الحزينة: تضخم في الاستثمارات، تضخم في الفوارق، مع قليل من الغرامات وكثير من الأمل.
الخلاصة الفلسفية هنا هي أن العدالة المجالية ليست مجرد توزيع للدراهم، بل هي إعادة توزيع للسلطة والكفاءة والقرار. إنها ثورة في تعريف “المواطَنة” نفسها.
إعداد: محمد جواد سيفاو
مخرج وإعلامي وباحث في السوسيولوجيا







