تتجه وزارة الداخلية نحو وضع اللمسات الأخيرة على “أغلى” خارطة طريق انتخابية في تاريخ المملكة، وذلك بعدما كشفت مخرجات المشاورات التمهيدية التي قادها عبد الوافي لفتيت مع زعماء المركزيات الحزبية عن تخصيص غلاف مالي ضخم يناهز 45 مليار سنتيم لإدارة استحقاقات 23 شتنبر 2026.
هذا الرقم، الذي تم تداوله في كواليس الاجتماعات الأخيرة، يأتي في سياق سياسي مطبوع برهان الدولة على “تجويد” العملية الانتخابية وتحصينها من الشوائب، غير أنه يضع الأحزاب السياسية، بمختلف تلويناتها، أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية لم تعد تقبل مواربة؛ حيث بات السؤال المطروح في ردهات الصالونات السياسية بالرباط لا يتعلق فقط بكيفية صرف هذا الدعم العمومي السخي، بل بمدى قدرة هذه “الاستثمارات” الضخمة على إفراز نخب قادرة على الاستجابة لانتظارات المغاربة المعقدة.
المعطيات الواردة من “مطبخ” المشاورات تشير إلى أن هذا الغلاف المالي لا يغطي فقط الجوانب اللوجستيكية والتقنية، بل يشمل الرفع من سقف المساهمات الموجهة لتمويل الحملات، تزامناً مع قرار رفع سقف مصاريف المترشحين لمجلس النواب إلى 60 مليون سنتيم، وهو المعطى الذي تراه مصادر نيشان بمثابة “سلاح ذو حدين”؛ فبينما يهدف إلى قطع الطريق أمام المال غير المشروع عبر تقنين الإنفاق وشفافيته، فإنه يرفع من كلفة “تذكرة الدخول” إلى قبة البرلمان، ما قد يحول “بورصة المقاعد” إلى حلبة مغلقة أمام الكفاءات التي لا تملك ظهيراً مالياً قوياً.
وبين هذا وذاك، تبدو وزارة الداخلية حريصة على ضبط “إيقاع الإنفاق” بصرامة موازية لصرامة التواريخ، محاولةً موازنة كفة “كلفة الديمقراطية” مع ضرورة تحقيق اختراق حقيقي في نسب المشاركة، في وقت تنتظر فيه القواعد الشعبية أن تترجم هذه المليارات إلى برامج عمل ملموسة، لا مجرد استعراضات انتخابية موسمية تنتهي بانتهاء مفعول “السيولة” ليلة الاقتراع.
وفي تعليق له على هذه المعطيات، اعتبر “عبدالرحيم أخشاو” الباحث في العلوم السياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، “أن هذا الغلاف المالي الضخم، وإن كان يعكس رغبة الدولة في توفير الإمكانيات اللوجستيكية والتقنية لضمان نجاح العرس الانتخابي، إلا أنه يطرح إشكالاً جوهرياً يتعلق بـ”الجدوى السياسية” مقابل “الكلفة المالية”.
وأضاف أخشاو في اتصال هاتفي مع “نيشان” أن “رفع سقف تمويل الحملات إلى هذا المستوى قد يكرس نوعاً من التفاوت بين الأحزاب الكبرى التي تمتلك ماكينات انتخابية جاهزة وبين الكفاءات الشابة التي تراهن على البرامج والأفكار لا على قوة السيولة”، مشيراً إلى أن التحدي الحقيقي الذي يواجه وزارة الداخلية لا يكمن في توفير المليارات، بل في قدرة هذه المليارات على استعادة ثقة الناخب المغربي الذي بات ينظر إلى هذه “المواسم” بكثير من التوجس، مما يجعل “بورصة المقاعد” أمام اختبار حقيقي للمصداقية يتجاوز مجرد الحسابات الرقمية الضيقة.







