في ردٍّ حادٍّ على تصريحات الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة، الذي دعا إلى إنشاء شركات توزيع وطنية لمواجهة «الفراقشية» والمضاربين الذين يمارسون الاحتكار باسم «المنافسة الحرة» واقتصاد السوق، خرج رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار محمد شوكي ليصف الفكرة بـ«السياسات البائدة» و«المزايدات من الزمن البعيد».
استحضر شوكي نموذجي «صدويا» (SODIA) و«سوجيطا» (SOGETA) كدليل على فشل تدخل الدولة في التوزيع، مؤكداً أن المغرب اختار نهج الاقتصاد الحر والمنافسة المفتوحة منذ عهد الملك الحسن الثاني، ولا عودة إلى «عقلية التحكم الإداري».
لكن هذا الكلام، في جوهره، ليس سوى دفاع مُغلَّف عن واقع يومي يعيشه المغاربة: اتفاقات ضمنية بين رجال أعمال كبار، يستفيدون من دعم الدولة بكل أشكاله (إعانات، صفقات عمومية، امتيازات ضريبية)، ثم يرفعون الأسعار بشكل منسق، وكأن «السوق الحر» مجرد ستار يخفي تقاسم الكعكة بين المحظيين. ماذا يقول شوكي عن هذا الاحتكار الممارس باسم «المنافسة»؟
السؤال الذي يتجاهله الردُّ التجمعي ببساطة: ماذا عن شركات التنمية المحلية، وشركات توزيع الماء والكهرباء والتطهير، وصفقات النظافة والتدبير المفوض التي أسَّستها الدولة نفسها بين الجماعات الترابية؟ هذه ليست «سمسرة» عشوائية، بل هي «تفرقيش» مؤسساتي منظَّم وممنهج.
وهناك أيضا مثال الشركات الجهوية متعددة الخدمات (SRM): تُدار بطريقة احتكارية جهوية، بامتيازات حصرية تمنع المنافسة الحقيقية. أو شركات التدبير المفوض مثل «ليديك» و«أمانديس» و«ريدال»، التي تحتكر خدمات أساسية في مدن كبرى بموجب عقود طويلة الأمد منحتها الدولة. وماذا عن صفقات النظافة في الجماعات المحلية، حيث تُقسَّم الأحياء والمقاطعات بين شركات محددة كأنها إقطاعيات خاصة؟ النتيجة واحدة: أسعار مرتفعة، خدمات غير متكافئة، ومواطن يدفع الفاتورة.
هذا هو التناقض الصارخ في خطاب شوكي ورئيسه أخنوش: يرفضون «شركات توزيع وطنية» باسم «السوق الحر»، لكنهم يدعمون (أو يغضُّون الطرف عن) واقع يقوم على اتفاقات بين النخبة الاقتصادية المرتبطة بالحزب.
«ثقافة التفرقيش» التي انتقدها بركة صراحة – ثقافة الهمزة والتقاسم والجشع – هي نفسها التي يُروَّج لها حزب رجال الأعمال داخل «التجمع الوطني للأحرار». فكلما ظهر لاعب كبير مرتبط بالدائرة الحاكمة، يُمنح حصة سوقية أو صفقة أو منطقة، ويُقدَّم ذلك كـ«تنظيم» أو «حماية للاستثمار».
الواقع يثبت أن «المنافسة الحرة» التي يدافع عنها شوكي ليست حرة إطلاقاً. هي منافسة مقيَّدة بين قلة من المحظيين، مدعومة بدعم الدولة، ثم تتحول إلى احتكار فعلي يرفع الأسعار ويضرب القدرة الشرائية. أما استحضار «صدويا» و«سوجيطا» كفزَّاعة، فهو تهرُّب من النقاش الحقيقي: الشركات القديمة لم تفشل فقط بسبب «التدخل الإداري»، بل بسبب سوء التدبير والتوزيع غير العادل للأراضي والامتيازات على فئات معينة – أي «تفرقيش» آخر باسم الدولة.
مكافحة السمسرة والمضاربة لا تكون بالدفاع الأعمى عن «اقتصاد السوق» الذي يُدار من غرف مغلقة، ولا بالعودة الآلية إلى نموذج الدولة المتدخلة في كل شيء. الخيار الحقيقي يكمن في تعزيز الشفافية، فتح الصفقات العمومية أمام منافسة شريفة حقيقية، ومحاربة الاتفاقات السرية بين الكبار، سواء في القطاع الخاص أو عبر عقود الدولة.
الكلام الفارغ هو ذلك الذي يرفض حلولاً لمحاصرة الاحتكار باسم «السوق الحر»، بينما الواقع يشهد على أن هذا «السوق» نفسه يُدار بمنطق التفرقيش بين فئة محدودة. المغاربة لم يعودوا يصدقون الخطابات التي تُبيِّض الاحتكار وتُسمِّيه «اقتصاداً حراً».
السؤال المطروح: هل نريد سوقاً يخدم المواطن، أم سوقاً يشرعن احتكار الشركات الكبرى، سوقا مقسَّماً بين «الأصدقاء» تحت غطاء الليبرالية؟







