هل سمع أحدكم عن الانتخابات التي جرت في الاتحاد العام لمقاولات المغرب؟.. نعم لقد انتخب المهدي التازي ومحمد البشيري، يوم الخميس 13 ماي الجاري، على التوالي لتولي منصب الرئيس ونائب الرئيس في جمع عام انتخابي بالدار البيضاء.
أضحى انتخاب رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب خبرا صغيرا في صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية والنشرات والبرامج التلفزية، بعدما كان يمثل حدثا مهما يثير الكثير من النقاش بين رجال الأعمال والاقتصاديين وحتى الرأي العام.. بل إن رهانات ذلك الحدث لم تكن تغيب عن صاحب القرار السياسي والاقتصادي.
لم يكن الاهتمام ينصب في السابق فقط على الاتحاد العام لمقاولات المغرب، بل كان يمتد إلى الفيدراليات والجمعيات المنضوية تحت لوائه. فقد كانت مواقف وندوات الجمعية المغربية لصناعة النسيج والألبسة أيام كانت تلك الصناعة واعدة، تحظى بمتابعة كبيرة من وسائل الإعلام والاقتصاديين، حيث لم يكن المنتسبون لتلك الجمعية يترددون في التعبير عن مواقف قوية تدفع صاحب القرار إلى فتح قنوات الحوار العلني مع الجمعية. يسري ذلك على فيدراليات الطاقة والبناء والأشغال العمومية…. إلخ.
ذلك زمن ولى. اليوم انتخب المهدي التازي (الذي كان نائبا لشكيب لعلج الرئيس المنتهية ولايته) رئيسا للاتحاد، حيث لم يتقدم أحد لمنافسته على تلك المسؤولية. وهو ما يمثل مواصلة لتقليد كرس منذ حوالي عشرين عاما عندما كان مولاي حفيظ العلمي مرشحا وحيدا لرئاسة تلك المنظمة التي تدافع عن مصالح رجال الأعمال.
لم يعد الاتحاد يميل إلى التعبير عن مطالبه بعبارات قوية كما كان في فترات سابقة، بل يحرص، في العلن على الأقل، على رفع دفتر مطالب إلى الحكومة، خاصة بمناسبة إعداد مشروع قانون المالية ومناقشته في البرلمان أو عبر لقاءات بمقر الاتحاد العام لمقاولات المغرب بزنقة محمد عبده بحي النخيل بالدار البيضاء، مع وزراء يتولون حقائب لها علاقة بالشأن الاقتصادي.
لا يكف الاتحاد العام لمقاولات المغرب عن الضغط بهدف الحصول على «هدايا» من الحكومة، إلى درجة تدفع إلى التساؤل حول حدود مطالب الاتحاد، خاصة في ظل شكواه المستمرة من الضغط الجبائي والقطاع غير المهيكل ومدونة الشغل.
والثابت أن منظمة رجال الأعمال تستطيع بلوغ الكثير من أهدافها بفعل العلاقات التي تنسجها مع الحكومات، التي يكون بعض أعضائها قد خبروا عالم المال والأعمال أو سبق لهم أن كانوا أعضاء في ذلك «النادي».
وقد يتمكن الاتحاد من انتزاع «هدايا» جبائية أو تحفيزات من الحكومة دون الالتزام بالمقابل بدفتر تحملات في مجال التشغيل مثلا أو لعب دور حاسم في النمو الذي يرتهن، على مستوى الاستثمارات، لمشاريع الدولة، سواء عبر الميزانية العامة ومقاولات ومؤسسات الدولة.
فرغم التحفيزات التي يحصل عليها القطاع الخاص، ما زالت مساهمته في النمو وخلق فرص الشغل محدودة. فهل يتمكن الاتحاد العام لمقاولات المغرب من المساهمة عبر الشركات المنضوية تحت لوائه في بلوغ هدف الدولة إلى تحقيق نسبة 65 في المائة من الاستثمار الخاص بحلول عام 2035، تبعا لتوصيات النموذج التنموي الجديد؟
بعيدا عن العناوين العريضة للحملة الانتخابية التي خاضها التازي والبشيري، لم يتم قبل انتخابات الخميس الماضي، التفاعل مع الظرفية الحالية المتسمة بعجز مزمن في الميزان التجاري وهشاشة النمو الاقتصادي وضعف فرص الشغل المتاحة والاختلالات التي تخترق السوق بفعل ظاهرة «الفراقشية» التي لم تسلم منها العديد من القطاعات.
فقد انصب خطاب خلال الحملة الانتخابية على مواضيع سبق تناولها في مناسبات سابقة مثل مناخ الأعمال والسيادة الإنتاجية والابتكار والإشعاع الدولي، وعبرت الرئاسة الجديدة عن التطلع إلى «إصلاح» مدونة الشغل وخفض كلفة الكهرباء وتقليص الرسوم المحلية وفتح ملف التكوين المهني.
وينتظر أن تسعى الرئاسة الجديدة إلى حسم ملفات ترى أنها ضرورية لدعم تنافسية المقاولة. فبعدما جرى تمرير قانون الإضراب، تراهن هذه الرئاسة على فتح ملف مدونة الشغل، حيث تتطلع إلى إضفاء نوع من المرونة في سوق الشغل. ذلك هدف يرى البعض أنه سيفضي إلى تعميق هشاشة العاملين في اقتصاد تغلب عليه الخدمات والبناء والأشغال العمومية والفلاحة.
ورغم الحضور الذي يتمتع به الاتحاد العام لمقاولات المغرب، إلا أن ثمة من يرى فيه «كلوب» للشركات الكبيرة، حيث لا يمثل من هذا المنظور كُلّ النسيج المقاولاتي المغربي، الذي تشكل فيه المقاولات الصغيرة جدا والصغيرة والمتوسطة نسبة 97 في المائة.
ألم يعمد رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، عبد الفركي، في رسالة تهنئة للقيادة الجديدة للاتحاد العام لمقاولات المغرب، إلى دعوة التازي والبشيري إلى الحوار حول وضعية تلك الفئة من المقاولات التي يمثلها، والتي يرى أنها «لا يمكن أن تظل هامشا في السياسات الاقتصادية»، معبرا عن الأمل في إحداث قطيعة مع المقاربات السابقة التي اتسمت، في نظره، بخطابات عامة بعيدة عن واقع المقاولات الصغرى.







