بينما تحرص وزارة الاقتصاد والمالية، في تقاريرها الدورية، على تقديم وضعية تحملات ومداخيل الخزينة بكثير من التفاؤل الحسابي، تكشف القراءة المتأنية لما وراء الأرقام الجافة عن واقع اقتصادي مغاير، يطغى عليه التوجس من كلفة الاختيارات الحالية.
فالتراجع الملحوظ في حاجيات التمويل عند متم أبريل 2026، والتي انخفضت إلى 20.9 مليار درهم، مقارنة بـ33.3 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، لا يعكس بالضرورة “نجاعة حكومية” في تدبير الموارد، بقدر ما يثير علامات استفهام مقلقة بشأن الكلفة الحقيقية لهذا الانخفاض المفاجئ على مستوى المعيش اليومي والدينامية الاقتصادية الوطنية.
وتشير “مصادر اقتصادية متطابقة” تحدثت إلى “نيشان”، إلى أن هذا الانكماش الظاهري في حاجيات التمويل يخفي ما يشبه “التقشف غير المعلن”، معتبرة أن الحكومة عمدت إلى فرملة أو حجب جزء مهم من اعتمادات الاستثمار العمومي الموجهة للمشاريع التنموية والاجتماعية، خصوصاً في الأقاليم والمناطق الهشة.
وبحسب “المصادر نفسها”، فإن هذا التوجه يهدف، بالدرجة الأولى، إلى تلميع أرقام الميزانية وتقديم حصيلة حسابية منضبطة ترضي المؤسسات المالية الدولية والمنظمات المانحة، غير أنه، في المقابل، يعطل محركات النمو الحقيقية ويؤجل إخراج أوراش حيوية كان من شأنها تحسين جودة الخدمات الأساسية وضخ دينامية جديدة في سوق الشغل الذي يعاني من حالة ركود.
ويتزامن هذا الحصار المالي المفروض على الإنفاق الاستثماري مع معضلة أخرى تتعمق داخل البنية المالية للدولة، ترتبط باستمرار دوران عجلة المديونية في حلقة مفرغة باتت تشبه كرة الثلج التي تتضخم مع كل جولة اقتراض.
فالأرقام الرسمية الصادرة مؤخراً تكشف مفارقة لافتة على مستوى المديونية الداخلية؛ إذ سجلت الخزينة اكتتابات ضخمة بلغت 51.1 مليار درهم، في حين جرى توجيه 31.9 مليار درهم منها لتسديد أصل الدين السابق.
وتؤكد مصادر “نيشان” أن هذه الوضعية تعني، بلغة مبسطة، أن الدولة أصبحت تقترض بوتيرة متسارعة لتسديد ديونها القديمة فقط، وهو ما يُصطلح عليه في الأدبيات الاقتصادية بـ”الهروب إلى الأمام”، حيث لا تساهم الأموال المقترضة الجديدة في خلق ثروة أو قيمة مضافة، بل تُوجَّه أساساً لإطفاء حرائق الديون المتراكمة.
وترى المصادر أن تحول السوق المحلية إلى الممول الرئيسي والملاذ الأساسي لإنقاذ الخزينة عبر امتصاص هذه المليارات، يعكس حجم الضغط المتزايد على السيولة النقدية المتوفرة لدى الأبناك والمؤسسات المالية الوطنية.
وفي السياق ذاته، يرى “محللون في القطاع البنكي” أن هذا الاندفاع الحكومي نحو الاستدانة الداخلية يحرم المقاولات الصغرى والمتوسطة من التمويلات الضرورية لإنعاش أنشطتها، في ظل تفضيل الأبناك إقراض الدولة باعتبارها “زبوناً مضموناً”، بدل المخاطرة بتمويل النسيج الاقتصادي الخاص.
وتعتبر المصادر ذاتها أن هذا الوضع يضع مالية البلاد أمام تحديات حقيقية مرتبطة بالاستدامة، إذ إن مواصلة الاستدانة المحلية بأسعار فائدة مرتفعة لتسديد استحقاقات سابقة، بالتوازي مع خفض الإنفاق على المشاريع التنموية، يهدد برهن الاستقرار الاقتصادي على المدى المتوسط، مقابل ميزانية تسعى فقط إلى الحفاظ على توازنها الشكلي أمام المانحين الأجانب.







