في كل مرة تعلن فيها الحكومة عن خروج جديد إلى الأسواق المالية الدولية، تحاول تقديم الأمر للرأي العام باعتباره مؤشراً على “ثقة المستثمرين” و”نجاح الدبلوماسية المالية” للمغرب. غير أن ما يُقدَّم بلغة الانتصار في البلاغات الرسمية، يبدو في الواقع أقرب إلى اعتراف غير مباشر بعجز النموذج الحكومي الحالي عن خلق توازن حقيقي في المالية العمومية دون اللجوء المتواصل إلى الاستدانة.
آخر هذه العمليات تمثل في إعلان وزيرة الاقتصاد والمالية نجاح المغرب في اقتراض 2 مليار يورو من سوق السندات الأوروبية
“يوروبوند” ، بعد عملية مشابهة خلال السنة الماضية بالقيمة نفسها.
وبينما ركز الخطاب الرسمي على “رضى الأسواق المالية” عن المغرب، غاب النقاش الحقيقي حول سؤال أكثر أهمية: لماذا أصبحت الحكومة مضطرة إلى العودة المتكررة إلى جيوب المقرضين الدوليين رغم الارتفاع الكبير في الموارد المالية خلال السنوات الأخيرة؟
مداخيل قياسية… ومديونية تتضخم :
حين تسلمت الحكومة الحالية المسؤولية سنة 2021، بلغ حجم الدين العمومي الإجمالي حوالي 100,6 مليار دولار، قبل أن يقفز مع نهاية سنة 2025 إلى ما يقارب 113,6 مليار دولار.
أي أن المغرب أضاف خلال أربع سنوات فقط ما يفوق 13 مليار دولار من الديون الجديدة، في وقت كانت فيه الحكومة تتحدث باستمرار عن “الإصلاحات الكبرى” و”نجاعة التدبير”.
المفارقة أن هذه الزيادة في المديونية لم تأت في سياق أزمة انهيار اقتصادي شامل أو تراجع حاد في المداخيل، بل حدث العكس تماماً.
فالحكومة استفادت خلال هذه الفترة من موارد مالية ضخمة وغير مسبوقة، سواء عبر ارتفاع المداخيل الضريبية أو من خلال ما سُمّي بـ”التمويلات المبتكرة” التي شملت تفويت أصول وممتلكات عمومية.
الأرقام هنا تكشف حجم المفارقة بوضوح:
المداخيل الضريبية ارتفعت من 225 مليار درهم سنة 2021 إلى حوالي 342 مليار درهم سنة 2025، أي بزيادة تناهز 52 في المائة؛
الحكومة حصلت على حوالي 120 مليار درهم من عمليات تفويت أصول الدولة؛
كما ارتفع حجم الاقتراض الداخلي والخارجي بما يقارب 130 مليار درهم إضافية.
بمعنى أن الحكومة توفرت لها خلال أربع سنوات فقط موارد إضافية تناهز 367 مليار درهم، وهو رقم ضخم كان يفترض أن ينعكس على تحسين الخدمات العمومية وتخفيف الضغط الاجتماعي وتحقيق نوع من التوازن المالي.
لكن ما حدث فعلياً هو العكس: ضرائب أكبر، ديون أكثر، وضغط معيشـي غير مسبوق.
انفجار النفقات… وغياب الأثر :
في مقابل هذا الارتفاع الكبير في الموارد، شهدت النفقات العمومية بدورها قفزة مهولة، بعدما انتقلت من حوالي 470 مليار درهم سنة 2021 إلى أكثر من 701 مليار درهم سنة 2025، أي بزيادة تناهز 50 في المائة.
هذه الأرقام تفتح الباب أمام سؤال جوهري حول فعالية الإنفاق العمومي.
فحين ترتفع نفقات الدولة بهذا الحجم، يفترض أن يلمس المواطن تحولاً واضحاً في جودة التعليم والصحة والنقل وفرص الشغل والقدرة الشرائية.
لكن الواقع يكشف أن المواطن المغربي يعيش واحدة من أصعب الفترات الاجتماعية، في ظل موجة غلاء متواصلة وتراجع واضح للثقة في السياسات الحكومية.
الأكثر إثارة للجدل أن جزءاً مهماً من هذه الأموال صُرف تحت عنوان “الدعم”، دون أن يحقق النتائج المعلنة.
فالحكومة خصصت مليارات الدراهم لدعم استيراد الأغنام وسلاسل التغذية، بينما بقيت الأسعار مرتفعة بشكل غير مسبوق.
وهو ما جعل جزءاً واسعاً من الرأي العام يعتبر أن الدعم تحول في بعض الحالات إلى آلية لحماية مصالح فئات محددة أكثر من كونه سياسة اجتماعية لحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
منطق الحلول السهلة :
المشكلة الأساسية في التجربة الحكومية الحالية أنها اختارت منذ البداية الطريق الأسهل بدل الدخول في إصلاحات اقتصادية عميقة ومؤلمة لكنها ضرورية.
فعوض بناء نموذج اقتصادي منتج للثروة وفرص الشغل، تم اللجوء إلى ثلاثة حلول جاهزة:
• رفع الضغط الضريبي بشكل مباشر أو غير مباشر؛
• تفويت أصول الدولة وممتلكاتها؛
• التوسع في الاستدانة الداخلية والخارجية.
وهي حلول قد تمنح الحكومة هامشاً مؤقتاً لتدبير التوازنات المالية، لكنها على المدى البعيد تنقل الأزمة إلى الأجيال المقبلة وتضع الاقتصاد الوطني في دائرة الارتهان المتزايد للمؤسسات والأسواق المالية الدولية.
فالديون ليست مجرد أرقام تقنية في تقارير وزارة المالية، بل التزامات سيدفع ثمنها المواطن لاحقاً عبر المزيد من الضرائب وتقليص الإنفاق الاجتماعي وارتفاع كلفة المعيشة.
بين الخطاب والواقع :
الحكومة التي قدمت نفسها باعتبارها “حكومة الكفاءات” تواجه اليوم اختباراً حقيقياً يتعلق بقدرتها على تفسير هذه التناقضات للرأي العام.
كيف يمكن الحديث عن نجاح اقتصادي في وقت تتضخم فيه الديون بشكل مستمر؟
وكيف يمكن تبرير اللجوء المتكرر إلى الاقتراض رغم الارتفاع القياسي في الضرائب والمداخيل؟
وأين انعكست فعلياً مئات المليارات الإضافية التي دخلت خزينة الدولة خلال السنوات الأخيرة؟
هي أسئلة لم يعد ممكناً الهروب منها عبر لغة الأرقام الجافة أو البلاغات الاحتفالية، لأن المغاربة لا يقيسون نجاح الحكومات بحجم القروض التي تحصل عليها، بل بقدرتها على تحسين حياتهم اليومية وبناء اقتصاد لا يرهن مستقبلهم كل سنة بقرض جديد.







