يدخل مصطفى التراب عقده الثالث على رأس المجمع الشريف للفوسفاط (OCP) وسط عاصفة جيوسياسية غير مسبوقة، لم تكشف فقط عن هشاشة نموذج الأعمال الذي هندسه طوال عشرين عاما، بل وضعت “السيادة الصناعية” للمملكة أمام مأزق حرج يسائل مباشرة كفاءة إدارة المخاطر في كبرى المؤسسات العمومية بالبلاد.
وتأتي صدمة الإعلان الأخير عن خفض القدرة الإنتاجية للمجمع بنسبة 30% خلال الربع الثاني من عام 2026 لتشكل نقطة تحول مقلقة؛ إذ تشير معطيات متقاطعة من داخل الأوساط المهنية إلى أن هذا التراجع الحاد، الذي حاول الخطاب الرسمي تسويقه “كأعمال صيانة تقنية مجدولة”، هو في حقيقته اعتراف ميداني مرير بالعجز عن تأمين مادة الأمونيا المستوردة، بعد أن تسببت الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط في خنق خطوط التموين القادمة من دول الخليج، لينهار فجأة طموح “الريادة العالمية” أمام حقيقة ارتهان الأسمدة المغربية لغاز الخارج.
هذا الانكشاف العملياتي الخطير يعري، بحسب مصادر قريبة من القطاع، ثغرة استراتيجية في مسار تدبير التراب منذ تسلمه مقاليد المجموعة عام 2006؛ فبينما ضُخت استثمارات مليارية هائلة طوال عقدين من الزمن في التوسع الأفقي، ورفع القدرات الاستخراجية للفوسفاط الخام، وتدشين وحدات التحويل في الجرف الأصفر وآسفي، والانتشار السياسي في القارة الأفريقية، أغفلت قيادة المجمع حسم معركة “الاستقلال الكيميائي الذاتي”.
والنتيجة اليوم هي مفارقة صارخة وضع فيها المجمع الشريف نفسه؛ حيث يمتلك المغرب أضخم احتياطيات الفوسفاط في الكوكب، لكن صناعته للأسمدة النهائية تظل مشلولة وعاجزة عن الدوران بمجرد اشتعال النيران في مضايق بحرية بعيدة، بسبب غياب النيتروجين، وهو ما جعل قاطرة الاقتصاد الوطني تفقد مرونتها التنافسية وتتحول من صانع للسوق الدولية إلى طرف مكشوف يتأثر بأزمات لا يملك سلطة القرار فيها.
وتشير البيانات المالية الرسمية إلى أن تحقيق المجمع لرقم معاملات ناهز 114 مليار درهم في عام 2025 لم يعد كافيا لحجب النزيف المالي الداخلي؛ إذ تلتهم الكلفة الباهظة لشحن الأمونيا والتأمين في الممرات المائية الملتهبة هوامش الربح بشكل متسارع.
وفي محاولة استعجالية محفوفة بالمخاطر لتدارك هذا الخلل البنيوي، سارع المجمع في أبريل 2026 إلى اقتراض 1.5 مليار دولار عبر سندات هجينة، وهي الخطوة التي يقرؤها محللون ماليون في حديثهم لـ “نيشان” “كهروب إلى الأمام” بمديونية مكلفة لتمويل مشاريع الهيدروجين والأمونيا الخضراء؛ وهي مشاريع كان ينبغي إطلاقها كخيار استباقي منذ سنوات، لكنها تُطرح اليوم تحت ضغط أزمة العرض الخانقة وكحل ترقيعي متأخر لحماية المصانع الوطنية من الابتزاز السعري الدولي.
ولم يقف أثر هذا المأزق عند أسوار المجموعة، بل امتد ليربك التوازنات الماكرو-اقتصادية للمملكة؛ حيث بدأت تداعيات نقص المدخلات تظهر علنا في تراجع عائدات التصدير الرسمية الصادرة عن مكتب الصرف، مما يضغط بقوة على احتياطيات العملة الصعبة وميزان الأداءات.
وترى المصادر أن بقاء مصير الثروة الأولى للمغاربة معلقاً بمدى توفر الغاز الأجنبي يعزز القناعة لدى دوائر صناعة القرار بأن نموذج “التغيير من الداخل” وإعادة الهيكلة المستمرة التي يباشرها مصطفى التراب حاليا عبر خلق “أقطاب جديدة” قد استنفد كل أغراضه، ولم يعد سوى محاولة لترميم تصدعات نموذج تدبيري شخصي وصل إلى حدوده القصوى بعد عشرين عاماً من الانفراد بالقرار الاستراتيجي.
وفي تعليقه على هذه المؤشرات، يرى “حميد تزروت” الباحث في الاقتصاد السياسي “أن المجمع الشريف للفوسفاط يدفع اليوم ضريبة قاسية بسبب غياب الرؤية الاستباقية في تأمين الأمن الكيميائي الوطني طوال عقدين من الرخاء”.
وأضاف الباحث ذاته، في اتصال هاتفي مع “نيشان“، أن “الاعتماد على واجهة المبيعات الضخمة لإخفاء التبعية المطلقة للمدخلات الخارجية كان خطأً استراتيجياً جسيماً، فالسيادة الصناعية لا تتجزأ، وامتلاك المادة الخام لا يعني شيئا إذا كان مفتاح تشغيل المصانع بيد موردين خارجيين”.
واختتم ذات المتحدث تصريحه بالتشديد على أن “الوضع الحالي يتجاوز منطق الأزمة العابرة؛ إذ يفرض بإلحاح إنهاء مرحلة القيادة الأحادية وضخ دماء جديدة بكفاءات شابة قادرة على إعادة صياغة عقيدة الاستثمار داخل OCP، بما يضمن تحرير القرار الاقتصادي للمملكة من التبعية الجيوسياسية، عوض الاستمرار في تدوير نفس الوجوه التي تسببت في هذا الانكشاف”.







