حذّرت دراسة أكاديمية إسبانية حديثة من استمرار غياب سياسة خارجية إسبانية “متماسكة وواضحة” تجاه منطقة مضيق جبل طارق، معتبرة أن هذا المجال الحيوي يظل من أبرز النقاط الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الإسباني والأوروبي، مع الإشارة إلى ارتباط ملف الصحراء المغربية بمستقبل مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين.
وصدرت الدراسة في مجلة Peace & Security – Paix et Sécurité Internationales المتخصصة، وأعدّها أستاذ القانون الدولي أليخاندرو ديل فايي غالفيز، حيث اعتبر أن سبتة تمثل إحدى أبرز النقاط الحساسة داخل هذا الفضاء الجيوسياسي المعقد.
ويرى الباحث أن القرارات التي اتخذتها مدريد خلال السنوات الأخيرة بشأن قضية الصحراء المغربية تكشف، بحسب تعبيره، عن “غياب سياسة خارجية منسجمة” في منطقة مضيق جبل طارق.
وتوقفت الدراسة عند التحول الدبلوماسي الذي قامت به الحكومة الإسبانية في مارس 2022، حين دعمت مقترح الحكم الذاتي الذي تقدمت به الرباط لحل نزاع الصحراء، مشيرة إلى أن هذا الموقف غيّر “التوازنات الدقيقة” التي كانت قائمة في المنطقة، وأثر بشكل مباشر على العلاقات مع كل من المغرب والجزائر.
وفي ما يخص سبتة، يربط الباحث بين ملف الصحراء ومستقبل المدن الإسبانية في شمال إفريقيا، مذكراً بأن المغرب يواصل التعبير عن مطالب إقليمية تخص سبتة ومليلية وبعض المناطق الأخرى، معتبراً أن الرباط توظف هذه الملفات ضمن رؤية إقليمية أوسع.
أزمة ماي 2021 بسبتة
وتتوقف الدراسة عند أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة في ماي 2021، حيث اعتبر الباحث أن المغرب استخدم الهجرة غير النظامية كأداة ضغط سياسي على إسبانيا بهدف التأثير على موقفها من قضية الصحراء.
ووصف تلك الأحداث بأنها “تحرك متعمد ومدروس” شكل، حسب رأيه، تدخلاً في السياسة الخارجية الإسبانية.
كما تشير الدراسة إلى أن تلك الأزمة أحدثت تحولاً في النظرة الاستراتيجية لسبتة ومليلية داخل الدولة الإسبانية، حيث أصبحت مدريد أكثر وعياً بأهميتهما الجيوسياسية كحدود خارجية للاتحاد الأوروبي، وبكونهما نقطتي تماس مع تحديات الهجرة والأمن والدبلوماسية.
مضيق جبل طارق
ويرى الباحث أن إسبانيا ما تزال تعتمد مقاربة “رد الفعل” بدل استراتيجية واضحة في تدبير منطقة مضيق جبل طارق، مؤكداً غياب “رؤية جيوستراتيجية” متكاملة رغم حجم التحديات المرتبطة بالهجرة غير النظامية، وأمن الحدود، والإرهاب، والنزاعات الإقليمية، وأمن الملاحة البحرية.
وتصف الدراسة مضيق جبل طارق بأنه أحد أهم “النقاط الحرجة” في التجارة العالمية، نظراً لدوره في عبور السلع والطاقة على المستوى الدولي.
كما يضم هذا المجال، وفق المصدر نفسه، بنى تحتية عسكرية واستراتيجية مهمة مثل قاعدة روتا البحرية، ومنشآت جبل طارق، وعدد من الموانئ الحيوية في غرب المتوسط.
سبتة ومليلية في معادلة الأمن
وتؤكد الدراسة أن سبتة ومليلية تشكلان جزءاً أساسياً من منظومة الأمن القومي الإسباني، مشيرة إلى أن الاستراتيجية الوطنية للأمن لسنة 2021 كانت قد نصّت على إعداد خطة شاملة خاصة بالمدينتين، غير أن التقرير يشير إلى عدم تنفيذها بعد مرور سنوات.
ويدعو الباحث إلى اعتماد سياسة خارجية إسبانية مستقرة ومبنية على التوافق السياسي الداخلي والتعاون الأوروبي، مع رؤية بعيدة المدى لمصالح مدريد في شمال إفريقيا، محذراً من أن غياب ذلك يجعل إسبانيا “أسيرة جغرافيتها” بدل استثمار موقعها الاستراتيجي.
وتخلص الدراسة إلى أن سبتة لا ينبغي اختزالها في بعدها المرتبط بالهجرة فقط، بل يجب النظر إليها كمنطقة ذات أهمية جيوسياسية كبرى في غرب المتوسط.
كما يدعو الباحث إلى تعزيز دور الاتحاد الأوروبي في سبتة ومليلية، وتوسيع حضوره السياسي والاقتصادي والاستراتيجي فيهما داخل الفضاء الأوروبي.







