لم يكن رذاذ المساحيق السياسية كافيا لحجب الندوب الغائرة التي تركتها مطرقة القضاء على جسد حزب الحركة الشعبية، وهو يحاول أن يرتب ملامح بداية جديدة من قاعة الندوات بفندق “الفيرمونت” بمارينا سلا.
فقبل ساعات قليلة من صعود أمينه العام محمد أوزين إلى المنصة شاهراً شعار “جا الوقت” كعنوان عريض للمرحلة المقبلة، كانت ردهات محكمة الجنايات بالدار البيضاء لا تزال ترجّ بصدى حكم ثقيل أدان أحد أبرز وجوه الحزب، الوزير السابق ورئيس بلدية الفقيه بنصالح المعزول محمد مبديع، بثلاث عشرة سنة سجناً نافذاً بتهم تبديد واختلاس أموال عمومية.
في السياسة، لا شيء يمر بلا ظل. وحين يأتي موعد سياسي كبير على إيقاع حكم قضائي بهذا الثقل، يصبح من العسير فصل المنصة عن الخلفية، أو الخطاب عن الذاكرة. هكذا وجد اللقاء الوطني للحركة الشعبية نفسه، في أعين كثيرين، يتحول من منصة لتقديم عرض سياسي جديد استعداداً للاستحقاقات المقبلة، إلى محاولة قفز فوق الأسئلة الحارقة، وعملية تجميل متأخرة لواجهة تنظيمية أثقلتها، لسنوات، ملفات الحكامة والنزاهة وتخليق الحياة العامة.
غير أن المفارقة الأكثر إزعاجاً لا تكمن فقط في جسامة الإدانة القضائية، بل في ذاكرة سياسية ما تزال طازجة ولم يطوها الزمن بعد. فالحزب الذي يتحدث اليوم عن محاربة الفساد لم يكن، في لحظة سابقة، بعيداً عن الدفاع المستميت عن أحد أبرز قيادييه حتى الرمق الأخير. والمغاربة لم ينسوا كيف دفع الحزب بمحمد مبديع، في ذروة التحقيقات والشبهات التي كانت تطوقه، إلى رئاسة لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب؛ اللجنة التي يفترض فيها أن تكون عنواناً لصناعة القوانين ومراقبة منظومة العدالة، لا مرآة لارتباك السياسة أمام أسئلة الأخلاق العمومية.
واليوم، حين يرتدي قادة الحركة عباءة الدفاع عن القدرة الشرائية ومحاربة الريع والفساد، يبدو المشهد، في جانب منه، أقرب إلى خطاب يراهن على قصر الذاكرة الجماعية أكثر مما يستند إلى مراجعة سياسية حقيقية. فالحزب الذي يقدم نفسه كحامل لخطاب التغيير، ظل لعقود جزءاً من هندسة سياسية قامت، في جزء معتبر منها، على رعاية الأعيان وحماية التوازنات تحت عناوين المشروعية التاريخية والامتداد القروي.
لكن التناقض لا يقف عند حدود صورة الحزب أو ماضيه الثقيل، بل يمتد إلى أدائه السياسي تحت قبة البرلمان، حيث تبدو شعارات “المعارضة الشرسة” أقل صلابة حين تختبرها الوقائع.
فبينما تحدث التقرير الحركي بإسهاب عن إنقاذ الطبقة الوسطى المنهكة، وإسقاط “جباية الفقر”، وعرض مقترحات براقة من قبيل الخصم الكامل لمصاريف التعليم والطب الخاص من الضريبة على الدخل، كانت محطات برلمانية مفصلية تكشف وجهاً آخر لحزب بدا، في أكثر من مناسبة، أقرب إلى معارضة براغماتية منها إلى معارضة صدامية.
ففي واحدة من أبرز تلك اللحظات، ساهمت حسابات الحزب في إجهاض ملتمس الرقابة الذي كادت المعارضة أن تلتقي حوله لإسقاط الحكومة، بعدما أصر على أن يتولى أمينه العام محمد أوزين تقديم الملتمس باعتباره الأمين العام الوحيد الممثل داخل البرلمان. ولم يكن ذلك سوى وجه من وجوه معارضة كثيراً ما رفعت السقف في المنصات، ثم خفضته عند أول اختبار حقيقي داخل المؤسسة التشريعية.
ويزداد هذا التناقض وضوحاً مع الاصطفاف التصويتي للحزب إلى جانب الأغلبية في تمرير قانون الإضراب المثير للجدل، وهو القانون الذي اعتبرته المركزيات النقابية تكبيلاً لحق الشغيلة في الاحتجاج وخدمة لمصالح الباطرونا. هنا تحديداً، يصبح الفارق بين ضجيج الخطاب ومهادنة التصويت أوسع من أن تخفيه الشعارات، وتتحول وعود الإنصاف الاجتماعي إلى مجرد عناوين انتخابية قابلة للاستهلاك أكثر من كونها التزاماً سياسياً صلباً.
حتى المقترحات التي حاول الحزب تسويقها كـ”ثورة سيادية ومعرفية”، من قبيل إعلان الحرب على اللغة الفرنسية وإمهال الجامعات ثلاث سنوات لإعادة هندسة اختياراتها اللغوية، تبدو، في عمقها السياسي، أشبه بقنابل دخانية تعرف كيف تستدعي النقاش العمومي وتحتل واجهة الصحافة، أكثر مما تقدم أجوبة عملية على أسئلة أعقد تتعلق بصورة الحزب ومصداقيته.
وينسحب الأمر ذاته على وعود ضبط الأسواق ومحاربة المضاربة عبر منصات رقمية، وهي إجراءات تبدو جذابة في الخطاب، لكنها تصطدم على الأرض ببنية سوق وطني معقد، يغلب عليه القطاع غير المهيكل، وتتحكم فيه شبكات مصالح متجذرة لا تسقط بمجرد إعلان سياسي أو عنوان انتخابي لامع.
في المحصلة، تجد الحركة الشعبية نفسها اليوم أمام معادلة سياسية معقدة وهي تدخل تدريجياً في أجواء الاستحقاقات المقبلة؛ إذ يحاول الحزب تسويق خطاب جديد يستقطب الناخبين تحت شعار التغيير، في وقت لا يزال فيه إرثه التنظيمي والسياسي حياً ويقظاً في النقاش العمومي.
وبين العرض السياسي البراق فوق منصة بدت أقرب إلى منصات عروض الأزياء، وبين الأسئلة الحارقة المرتبطة بالماضي والحاضر، يبقى الرهان الأساسي بالنسبة للحزب هو مدى قدرته على إقناع رأي عام بات يملك من الوعي ما يكفي ليميز بين التحول السياسي الحقيقي، وبين مجرد تموقع انتخابي عابر في لحظة سياسية دقيقة، قد يكتشف معها أوزين ورفاقه أن “الوقت لم يأتِ بعد”.. بل ربما “فات ” تماما.







