تشير دراسة حديثة صادرة عن المعهد الوطني للدراسات الديمغرافية بفرنسا إلى أن المغرب سجل خلال سنة 2024 أدنى مستوى لمعدل الخصوبة في تاريخه، في مؤشر يعكس منحى تنازلياً متواصلاً خلال العقود الأخيرة.
وأوضحت الدراسة أن معدل الإنجاب في المغرب انخفض بشكل تدريجي إلى ما دون مستوى الإحلال الديمغرافي المحدد في 2.1 طفل لكل امرأة، وهو ما يمثل تحولاً ديمغرافياً غير مسبوق.
وأضافت أن هذا التراجع لا يرتبط بتغير كبير في سن الإنجاب، حيث ما تزال أعلى معدلات الخصوبة تتركز لدى الفئة العمرية بين 25 و29 سنة. غير أن الانخفاض العام يتحقق عبر تراجع عدد الولادات داخل مختلف الفئات العمرية، خصوصاً لدى النساء بين 30 و34 سنة ثم بين 25 و29 سنة، ما أدى إلى انخفاض شامل يشمل جميع الفئات فوق سن العشرين، بينما ظل متوسط سن الإنجاب مستقراً في حدود 30.3 إلى 30.6 سنة.
وأشارت الدراسة إلى أن تراجع الخصوبة يستمر رغم انخفاض سن الزواج الأول لدى النساء، إذ انخفض من 26.3 سنة إلى 24.6 سنة بين 2004 و2024، في حين ارتفع لدى الرجال من 31.2 إلى 32.4 سنة خلال الفترة نفسها. ورغم هذا التحول، فإن معدلات الإنجاب واصلت التراجع، ما يعكس تأثير عوامل أخرى، أبرزها انتشار وسائل منع الحمل.
وفي هذا السياق، أبرزت المعطيات أن استخدام وسائل منع الحمل عرف ارتفاعاً ملحوظاً، إذ ارتفعت نسبة النساء المتزوجات اللواتي يعتمدن عليها من 40% إلى 70% بين تسعينيات القرن الماضي و2020، مع توسع استخدام الوسائل الحديثة مثل الحبوب واللولب والحقن والغرسات والتعقيم، مقابل تراجع الوسائل التقليدية.
وترى الدراسة أن هذه التحولات تأتي ضمن سياق اجتماعي واقتصادي يتسم بإطالة مدة الدراسة وتأخر ولوج الشباب، خاصة النساء، إلى سوق العمل. وفي بلدان المغرب الكبير، بما فيها المغرب وتونس والجزائر، سجلت الدراسة ارتفاعاً واضحاً في نسب التعليم، خصوصاً في التعليم العالي، حيث أصبحت النساء تمثلن نسبة مهمة من الطلبة في الفئات الشابة.
غير أن هذا التطور التعليمي لم يواكبه اندماج مماثل في سوق الشغل، في ظل استمرار معدلات بطالة مرتفعة في صفوف الخريجين، وتزايد هشاشة المسارات المهنية للنساء.
كما تشير الدراسة إلى أن التحولات الديمغرافية لا تفسر فقط بالعوامل الاقتصادية، بل تعكس أيضاً تغيراً في التصورات الأسرية، حيث أصبحت الأسر تولي أهمية أكبر لجودة التربية والإنفاق على عدد أقل من الأطفال، بدل التركيز على الكثرة.
وتخلص الدراسة إلى أن الانخفاض في معدلات الخصوبة في دول المغرب الكبير يتم بشكل متسارع نسبياً، نتيجة تأجيل الإنجاب وتباعد الولادات وتقليص عدد الأطفال، مع اتجاه واضح نحو استقرار هذه المعدلات عند مستويات منخفضة، دون مؤشرات على عودة الارتفاع في المدى القريب.







