شهدت مساحة الندوات الصحفية أو المؤتمرات الصحفية تراجعاً كبيراً في المغرب في السنوات الأخيرة، بعدما كانت تقليداً راسخاً يتيح للصحافي طرح الأسئلة التي قد تشغل الرأي العام على صاحب القرار السياسي أو الاقتصادي.
كانت تلك الندوات الصحفية التي ينظمها بعض المسؤولين الحكوميين أو رؤساء بعض مؤسسات الحكامة أو بعض المقاولات العمومية أو الخاصة، لحظة مهمة لتوضيح خلفيات وتداعيات بعض الأحداث والقرارات والإجراءات، والإجابة على بعض التساؤلات التي تثيرها.
تلك مواعيد اختفت من أجندات العديد من المسؤولين في السنوات الأخيرة، إلى درجة تدفع إلى التأكيد على أن الندوة الصحفية «بقواعدها» التي يعلم الصحفيون مسبقاً هي تلك التي ينظمها والي بنك المغرب مرة كل ثلاثة أشهر.
تلك ندوة يُدعى إليها الصحفيون بمناسبة اجتماع مجلس البنك، الذي يتخذ قراره حول سعر الفائدة الرئيسي. وتكون تلك الدعوة مناسبة يطرح خلالها الصحفيون الأسئلة ذات الصلة بالسياسة النقدية وحتى السياسة الاقتصادية، حيث يجيب والي البنك المركزي ويقدم الكثير من التوضيحات والتفاصيل التي يسمح بها موقعه والسياقات التي نُظمت فيها الندوة.
ويمكن القول إن ثاني موعد يتحقق فيه شرط الندوة في السنوات الأخيرة هو عندما يحضر الصحفيون الندوة الصحفية الدورية التي ينظمها الناخب الوطني لكرة القدم للكشف عن لائحة المنتخب الوطني، حيث يحظى ذلك اللقاء بمتابعة كبيرة ويخلف نقاشات وسجالات واسعة.
ويمكن اعتبار اللقاء الصحفي الذي يعقده الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، ندوة صحفية بعد الاجتماع الأسبوعي لمجلس الحكومة، وإن كُرِّس فيه تقليد طرح الأسئلة «جملة»، والإجابة على بعضها فقط، مع إعادة التذكير في كل مرة ببعض «عناصر الخطاب» التي أدخلته في نوع من الرتابة التي خفضت منسوب انتظارات الصحفيين من ذلك الموعد.
ما يدفع إلى إثارة موضوع الندوات الصحفية هو ما لوحظ في الفترة الأخيرة من سجالات وتأويلات أحاطت ببعض الوقائع والأحداث دون أن يتجشم صاحب القرار عناء التوضيح عبر لقاء مباشر مع الصحافة، التي يفترض فيها أن تلعب دور محامي الشيطان دون محاباة أو تحيز أو غرض.
كانت وزارة الاقتصاد والمالية تنظم في سنوات سابقة العديد من الندوات الصحفية في السنة الواحدة. كانت لقاءات الصحافة مع الوزير المسؤول عن القطاع تحدث بمناسبة عرض مشروع قانون المالية على البرلمان، وحتى بمناسبة عرض حصيلة تطبيق ذلك القانون. وكانت تحرص الوزارة على لقاء الصحافة بمناسبة طرح سندات اقتراض في السوق الدولية…
ذلك زمن ولى، فلم تعد أقدام الصحفيين تطأ قاعة الندوات بالوزارة. فقد طرحت الخزينة سندات اقتراض في الفترة الأخيرة في السوق الدولية وحصلت على 2,25 مليار يورو، واكتفت الوزارة بإصدار بلاغ تخبر فيه الرأي العام بالعملية. ألم يكن جديراً بالوزارة توضيح دوافع ذلك الاقتراض عبر عقد ندوة صحفية وتأثير ذلك على المديونية؟
وقبل أيام، عمدت الحكومة إلى فتح اعتمادات مالية إضافية بقيمة 20 مليار درهم لفائدة الميزانية العامة بهدف دعم صندوق المقاصة والقدرة الشرائية، وتغطية النفقات الاستثنائية، وتعزيز رأسمال المؤسسات العمومية، ومواجهة آثار الفيضانات التي شهدتها مؤخراً بعض مناطق المملكة.
صحيح أن الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، حلّ بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، حيث أخبرها بالمرسوم ذي الصلة الذي صادق عليه مجلس الحكومة، غير أنه يُفترض في الحكومة، بالإضافة إلى ذلك، دعوة الصحافة لتوضيح بعض الأمور التي تتجاوز ذلك المرسوم، إلى سياسة الميزانية التي لا تُختزل في الجانب المحاسبي والهوامش المتاحة.
وقد استغرب بعض المراقبين والصحفيين الطريقة التي «طرحَت» بها المندوبية السامية للتخطيط ما أطلقت عليه البحث الجديد حول القوى العاملة، والذي أصبح يعتمد البطالة بالمفهوم الضيق، مؤكدة أن المفهوم الجديد يعتمد أحدث المعايير الدولية، حيث خلصت المذكرة إلى أن معدل البطالة بالمفهوم الضيق يصل إلى 10.8 في المائة في المغرب خلال الفصل الأول من السنة الجارية.
هذه المقاربة الجديدة تفضي إلى خفض معدل البطالة من أكثر من 13 في المائة إلى 10.8 في المائة، وهو خفض أثار استغراب مراقبين وصحفيين، خاصة أن المندوبية اكتفت ببلاغ دون تقديم توضيحات في ندوة صحفية، ما أفضى إلى تنشيط التفسيرات والتأويلات التي رأت أن المعدل الجديد يخدم مصالح الحكومة التي يمكن أن تستخدمه عند تقديم حصيلة ولايتها، وهي التي لم تفلح في توفير ما يكفي من فرص عمل خاصة للشباب.
وقد استحضر الكثير من الصحفيين ذكرى المندوب السامي السابق في التخطيط، أحمد الحليمي، حيث تذكروا ندواته الصحفية التي كان يحرص فيها على توضيح خلفيات بعض التقارير والمذكرات والدراسات التي تنجزها المندوبية، حيث لم يكن يكتفي باستعراض المضامين، بل يتجاوز ذلك إلى التعليق والتنبيه.
قد يعتبر البعض استحضار موضوع الندوات الصحفية نوعاً من الحنين إلى ماضٍ تجاوزته بعض المؤسسات والوزارات باللجوء إلى شبكات التواصل الاجتماعي وخدمات المؤثرين وبعض الصحافيين «المؤثرين» وشركات التواصل التي توفر عناصر الخطاب، غير أنه في السياق المغربي، حيث غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة وضعف الشفافية، يُفترض توسيع مساحة التوضيح والتفسير والنقاش العمومي عبر وسائل الإعلام… ولا نعدم المواضيع التي يتوجب تقديم توضيحات حولها… مثل الفراقشية والشغل والبطالة والأسعار وهدم مساكن في بعض المدن والرشوة والفساد والنمو وسياسة الميزانية والإثراء غير المشروع…
بل إن بعض تصريحات الوزراء تستدعي توضيحات عبر ندوات صحفية خاصة: أليس تصريح كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لحسن السعدي، بأن الأجر اليومي الذي يتلقاه العامل بتارودانت يصل إلى 400 درهم… يستدعي ندوة صحفية لتوضيح طبيعة المهن التي توفر ذلك الأجر في تلك المدينة؟







