كشفت دراسة علمية حديثة، شارك في إعدادها باحثون مغاربة من جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ببن جرير، عن تصاعد مخاطر ما يُعرف بـ”موجات الحر المركبة” في شمال إفريقيا والمغرب، وهي ظاهرة مناخية متطرفة تتميز باستمرار درجات الحرارة المرتفعة بشكل استثنائي خلال فترتي النهار والليل على حد سواء لعدة أيام متتالية.
وحذرت الدراسة، المنشورة في المجلة العلمية الدولية المتخصصة “Earth Systems and Environment”، من تنامي انتشار هذه الظاهرة، خاصة بالمناطق الساحلية ذات الكثافة السكانية المرتفعة، ما يفرض تحديات متزايدة على المنظومات البيئية والصحية والاقتصادية، ويستدعي تعزيز تدابير التكيف مع التغيرات المناخية لحماية السكان والحد من آثارها.
وتُعد هذه الدراسة، التي أنجزتها الباحثات المغربيات خديجة أرجدال وفاطمة دريوش وسلوى بلهان، إلى جانب الباحث رودريغو مانزاناس، من أوائل الأبحاث التي تقدم تقييماً شاملاً لمحركات وآليات موجات الحر الصيفية المركبة بالمنطقة، اعتماداً على تحليل بيانات مناخية ومحاكاة رقمية متقدمة تغطي الفترة الممتدة بين سنتي 1979 و2023.
واعتمد الفريق البحثي معايير دقيقة لتصنيف هذه الظاهرة، إذ تُعرَّف موجة الحر المركبة بأنها الفترة التي تتجاوز خلالها درجات الحرارة القصوى والدنيا عتبة 90 في المائة من المعدلات المناخية المعتادة لمدة لا تقل عن ثلاثة أيام متتالية، مع تخطي درجات الحرارة النهارية 35 درجة مئوية، بما يؤدي إلى استمرار الإجهاد الحراري حتى خلال ساعات الليل.
وأظهرت نتائج الدراسة وجود تباين جغرافي واضح في مستوى تأثر المناطق المغربية بهذه الظاهرة، حيث تسجل السواحل والمناطق الحضرية والمأهولة بالسكان معدلات أعلى من موجات الحر المركبة مقارنة بالمناطق الجبلية، خاصة بمرتفعات الأطلس.
وأرجع الباحثون هذا التفاوت إلى أنماط جوية معقدة ترتبط بتشكل مرتفع جوي مستدام في طبقات الجو العليا عند مستوى 500 هيكتوباسكال، إذ يؤدي تمركز هذا المرتفع فوق غرب المنطقة إلى احتجاز الكتل الهوائية الساخنة فوق المغرب، بينما يسهم تمركزه شرقاً في الحد من تأثير التيارات البحرية المعتدلة القادرة على تلطيف درجات الحرارة بالمناطق الساحلية.
وفي ما يتعلق بقدرات التنبؤ المناخي، خلصت الدراسة إلى أن دقة محاكاة موجات الحر المركبة ترتبط بشكل كبير بخصائص وإعدادات النماذج المناخية الإقليمية المعتمدة، وليس فقط بالنماذج المناخية العالمية، وهو ما يبرز أهمية تطوير أدوات الرصد والإنذار المبكر بالمغرب لتعزيز القدرة على استباق الظواهر الحرارية المتطرفة والحد من انعكاساتها البشرية والاقتصادية.
وتعزز هذه النتائج المؤشرات التي تصنف المغرب ضمن المناطق الأكثر هشاشة تجاه تداعيات التغير المناخي بحوض البحر الأبيض المتوسط، حيث لم تعد المخاطر تقتصر على الجفاف وتراجع الموارد المائية، بل أصبحت تشمل أيضاً موجات حر متواصلة على مدار اليوم، بما يرفع من مخاطر الإجهاد الحراري والوفيات المرتبطة بضربات الشمس، خاصة في صفوف الفئات الهشة مثل المسنين والأطفال والعاملين في القطاعات المكشوفة، وهو ما يطرح تحديات متزايدة أمام السياسات العمومية المرتبطة بالتخطيط العمراني والصحي والتكيف المناخي.







