ما لم تقله الدراسة الفرنسية الأخيرة عن تراجع الخصوبة في المغرب هو أن الأسر في بلادنا لا تقرأ تقارير المعاهد الديمغرافية، ولا تتابع نصائح الخبراء حول “تنظيم الأسرة”، لكنها تقرأ جيداً جداول سداد القروض والفواتير التي تحلّ مع مطلع كل شهر.
وحين تشير الأرقام إلى أن المغرب سجل أدنى معدل إنجاب في تاريخه، متراجعاً إلى ما دون عتبة التجديد البشري، فإن الأمر لا يتعلق بتحول ثقافي أو برغبة مفاجئة في تقليد الأسر الأوروبية في رفاهيتها، بل نحن أمام “إضراب صامت” تشنه الطبقة المتوسطة والفقيرة ضد واقع اقتصادي بات يتعامل مع الأطفال باعتبارهم عبئًا استثماريا يفوق طاقة البشر.
الحقيقة العارية التي يتفاداها الخطاب الرسمي هي أن “مانع الحمل” الأكثر فاعلية في المغرب اليوم لا يُباع في الصيدليات، ولا يُوزع في “صبيطار الحومة”، بل يُصرف في المدارس الخصوصية ومصحات القطاع الخاص.
عندما رفعت الدولة يدها تدريجيًا عن المدرسة العمومية، ورفعت راية المجانية عن المستشفيات، لم تكن فقط تخفض نفقاتها، بل كانت توقّع، من حيث تعلم أو لا تعلم، مرسومًا غير مكتوب لتحديد النسل.
لم يعد الأزواج في حاجة إلى حملات توعية ترعاها وزارة الصحة لتأجيل الإنجاب، كما كان الحال أيام إشهارات “كينة الهلال” في تسعينيات القرن الماضي. يكفي أن يجلس الأب والأم حول طاولة المطبخ في نهاية كل شهر، تحت ضوء مصباح يرتجف من كلفة الفاتورة، ليقوما بعملية حسابية بسيطة تحسم مصير الطفل الثاني أو الثالث قبل أن يولد. لقد تحولت “سلعنة” التعليم والصحة إلى آلية قسرية لتعقيم الرغبة في الأبوة والأمومة، لأن إنجاب طفل جديد في ظل هذه الشروط يعني، ببساطة، خطوة اختيارية نحو الانزلاق إلى حافة الفقر.
المفارقة المقلقة، بل والمضحكة حد البكاء، تتجلى في هذا الفصام الذي تعيشه السياسات العمومية؛ فالخطاب الحكومي لا يتوقف عن بيع أوهام “الدولة الاجتماعية” وضخ مئات الدراهم كدعم مباشر للأسر، بينما يترك هذه الأسر مكشوفة الظهر أمام جشع لوبيات التعليم الخاص التي تلتهم الأخضر واليابس.
فالمنظومة الحالية مصممة بطريقة تقول للمواطن، بوضوح فجّ: “إذا أردت لابنك تعليماً يضمن له مكاناً في سوق الشغل مستقبلاً، وطباً ينقذ حياته إذا مرض، فكن عقيماً أو اكتفِ بنسخة فريدة”. هذه ليست “جودة التربية” التي تحدثت عنها الدراسة بلغة ديمغرافية باردة، بل هو الخوف الوجودي من المستقبل، حين يتحول الوطن في نظر أبنائه إلى مساحة من القلق الدائم، ويصبح تأمين مقعد دراسي لائق معركة حياة أو موت تخوضها الأسرة عند كل دخول مدرسي.
لقد دخل المغرب مرحلة الشيخوخة السكانية قبل أن يملك اقتصادًا قويًا يحمي كبار السن، وقبل أن يؤمن لمواطنيه نظام تقاعد يقي من ذل الحاجة، والسبب أننا استوردنا السلوك الديمغرافي للدول المتقدمة، مقرونًا برداءة الخدمات في الدول المتخلفة. ففي غياب شبكات الضمان الاجتماعي الحقيقية، يصبح تقليص عدد الأطفال تكتيكًا دفاعيًا غريزيًا للبقاء.
ولن تحتاج الحكومة مستقبلاً إلى وضع استراتيجيات للتحكم في النمو السكاني، يكفي أن تواصل صمتها المتواطئ أمام سحق ما تبقى من المرفق العمومي، وسيتكفل تجار الطباشير وأصحاب العيادات الخاصة بضمان ألا يولد في هذه الأرض إلا من يملك والداه رصيدًا بنكيًا يكفي لدفع ثمن الوجود.







