بعد أسابيع قليلة من إسدال القضاء الستار على واحدة من أبرز قضايا الفساد التي هزت الحرم الجامعي المغربي، بإدانة الأستاذ الجامعي أحمد قيلش بالسجن النافذ، عاد ملف “ماستر المنظومة الجنائية والحكامة الأمنية” بجامعة ابن زهر إلى الواجهة، عقب التداول الواسع لقرار الإحالة الصادر عن قاضي التحقيق بالغرفة الثالثة بمحكمة الاستئناف بمراكش.
ويتضمن القرار الذي توصل نيشان بنظير منه، ويمتد على أكثر من مائة صفحة، معطيات خطيرة وتفاصيل مالية صادمة، إذ كشفت الأبحاث الميدانية والتحريات المالية المنجزة أن الأستاذ المذكور وزوجته المحامية “ح.ح” راكما أموالا ضخمة وغير مبررة تجاوزت قيمتها الإجمالية 5.86 ملايين درهم، أي ما يفوق نصف مليار سنتيم.
وأوضح القرار، استنادا إلى تحريات الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، أن هذه الأموال يشتبه في كونها متحصلة من جرائم الرشوة والابتزاز واستغلال النفوذ خلال فترة إشراف المتهم على ماستر “المنظومة الجنائية والحكامة الأمنية”، حيث تم رصدها عبر سلسلة من التحويلات المالية والإيداعات النقدية المتواترة بحساباتهما البنكية، فضلا عن عمليات تمت عبر وكالات لتحويل الأموال.
ومن بين أبرز الملفات التي توقف عندها قرار الإحالة لتفسير هذا الإثراء غير المبرر، تبرز قضية الموثق “ل.ز”، الذي تمكن من اجتياز مباراة الولوج والحصول على دبلوم الماستر بميزة حسن والتسجيل في سلك الدكتوراه، رغم غياب فعلي عن الدراسة، مقابل شيكات بنكية تجاوزت قيمتها الإجمالية 237 ألف درهم سلمها للأستاذ الجامعي واستخلصت مبالغها نقدا من طرفه ومن طرف زوجته.
وواجه قاضي التحقيق المتهم الرئيسي بهذه المعطيات، ليبررها بكونها تسبيقات مالية مرتبطة بمعاملات عقارية تخص بيع وشراء بقع أرضية.
غير أن الخبرة المالية وعمليات الافتحاص المنجزة على مستوى المحافظة العقارية، بحسب القرار، أظهرت عدم تطابق تواريخ صرف الشيكات مع تواريخ المعاملات العقارية المصرح بها، مقابل تزامنها مع مراحل اجتياز الامتحانات والتسجيل في سلك الدكتوراه. كما سجل القرار اعتراف الموثق بتعرضه لابتزاز مالي مقابل التغاضي عن غياباته المتكررة وتسهيل حصوله على الشهادة.
ولم تتوقف المعطيات الواردة في الوثيقة عند هذه الواقعة، بل كشفت أيضا تورط عشرات الطلبة بسلكي الماستر والدكتوراه في أداء مبالغ مالية متفاوتة مقابل ضمان النجاح أو التغاضي عن الغيابات، حيث رصدت التحقيقات تحويلات تراوحت بين ألفين و30 ألف درهم للطالب الواحد.
وحاول المتهم وزوجته تبرير هذه الأموال بكونها مساهمات في تنظيم ندوات علمية ورسوم لطبع مؤلفات وقروضا شخصية وعائدات أنشطة تجارية مرتبطة بمقهى وكراء شقق، غير أن التحقيقات وقفت عند عدد من المؤشرات التي اعتبرتها قرائن على عدم مشروعية جزء مهم من تلك المداخيل.
كما أظهر القرار تورط أسماء أخرى ضمن الطاقم البيداغوجي للمسلك، طالتها شبهات تتعلق بتلقي أموال من الطلبة. وانتهى قاضي التحقيق، بعد أشهر من البحث والتحقيق، إلى وجود أدلة وقرائن كافية على ارتكاب المتهمين جنايات وجنح الارتشاء واستغلال النفوذ والمشاركة فيها، ليقرر إحالتهم على غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال من أجل محاكمتهم طبقا للقانون.
وكانت غرفة جرائم الأموال الابتدائية بمحكمة الاستئناف بمراكش، قد أدانت يوم الجمعة 3 ابريل المنصرم، الأستاذ الجامعي أحمد قليش، بأربع سنوات حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 237 ألف درهم، كما أدانت زوجته، المحامية بهيئة أكادير، بسنتين حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 187 ألف درهم.







