واضح أن نفس الوجوه والكائنات السياسية التي جثمت على المشهد طوال الولايات السابقة، هي من ستعود من جديد لتولي تدبير الشأن العام، وتقلد مناصب المسؤولية في المجالس المنتخبة والتمثيلية، بما فيها المؤسسة التشريعية.
الأمر لا يتعلق برؤساء جماعات ومجالس عمالات وأقاليم، ومنتخبين كبار ممن جعلوا بعض المناطق محميات خاصة بهم وبعائلاتهم، بل يتجاوز ذلك إلى وجوه وأسماء شكلت عناوين لفضائح خطيرة.
أسماء صدرت في حق بعضها تقارير رقابية تقطر بشبهات جنائية، ورغم ذلك لم تجد عدد من الأحزاب التي صدعت رؤوسنا بشعارات الإصلاح والتغيير والمعقول و”تستاهلوا حسن” أدنى حرج في إعادة تزكيتها.
تجديد وتمديد صلاحية بعض رموز “التشلهيب” ورؤوس الفساد البارزة التي أينعت وصار جزء كبير من المغاربة يعلم كيف صنعت ثروتها ونفوذها من بوابة العمل السياسي، هو باختصار رسالة سلبية تضرب في العمق هامش استرجاع الثقة في إمكانية حدوث أي تغيير.
لا يمكن الحديث عن نموذج تنموي جديد وعن أوراش إصلاحية ومشاريع ضخمة، في الوقت الذي يُفتح فيه الباب مشرعاً أمام نخبة قديمة ومشبوهة ينخرها السوس لتدبير الشأن العام من جديد.
هذه المسؤولية تتحملها الأحزاب السياسية التي تجاهلت الدعوات الحقوقية الهادفة إلى قطع الطريق على من في كرشهم عجين، والمشبوهين وأصحاب السوابق في نهب وتبديد المال العام، وعدم تزكيتهم.
الذي حدث أن هذه الأحزاب هرولت لاستقطاب أصحاب الشكارة و”الشلاهبية” ممن صنعوا ثرواتهم من تدبير الشأن المحلي، عبر تفصيل الصفقات والتلاعب بها، وجعل المال العام صنبوراً لتغذية أرصدتهم البنكية، وكل هذا فقط من أجل حسم النتائج سلفاً، وباقي التفاصيل لا تهم.
كل هذا يجري وسط الحديث عن حسم مسبق في هوية رئيس الحكومة المقبل، بشكل يطرح سؤال الجدوى من العملية الانتخابية برمتها… وهنا قد نفهم لماذا أصرت وزارة الداخلية على فرض قانون منع التشكيك في الانتخابات وأعلنت فتح باب السجون في وجه المخالفين.
لقد كان والي بنك المغرب صريحاً أمام الملك حين قال قبل ست سنوات إن الفترة المقبلة والتحديات التي تطبعها تحتاج إلى نخبة جديدة.
الجواهري أثار أمام الملك أزمة النخب التي تعاني منها البلاد لعقود، في ظل هيمنة نفس الوجوه التي راكمت الفشل والفضائح، مستفيدة من إعادة تدوير المناصب وتوزيعها كريع وهدايا مجاملة، وإسقاط المحاسبة والمساءلة.
زعماء الأحزاب المنشغلون حالياً بإغراء أصحاب الشكارة والأعيان و”الجوكيرات” الانتخابية ضمن موجة “الترحال”، لا يهمهم طبعاً ما قاله الجواهري، ولا ما سبق أن نبه إليه الملك حين شدد على ضرورة تجديد النخب.
اليوم بات واضحاً وجود أزمة عميقة وخطيرة تجثم على المشهد السياسي الذي تحول إلى مستنقع حقيقي…
أزمة إنكارها لن يزيدها إلا استفحالاً أمام الانتظارات المتراكمة للمغاربة، وحالة الإحباط واليأس التي بدأت تتسع، بعد أن تجاوزنا مرحلة الشك والتشكيك ووصلنا إلى انعدام الثقة، وهي الثقة التي يتباكى عليها معظم السياسيين دون أن يقوموا بأدنى مجهود لاسترجاعها.
وضع كان متوقعاً في ظل انفصال الأحزاب والمثقفين والنقابات عن هموم الشارع، وانعدام جريان النخب، واستمرار نفس الأسماء التي عافها المغاربة في التحكم بمفاصل هيئات كان يُحسب لها ألف حساب، قبل أن تتحول اليوم إلى مجرد “تابع” أو “شركة مناولة”.
وجوه صار مطلوباً منها وبإلحاح أن تتحلى بالقليل من الحياء، وتركن إلى تقاعد سياسي، حتى تفسح المجال لمن يحملون هم هذا الوطن فعلاً.







