توقف تقرير مطول لمنصة “الشرق بلومبرغ” عند الإنجاز التاريخي الذي حققه المغرب بتصدره مؤشر التصنيع الإفريقي لعام 2025 الصادر عن البنك الإفريقي للتنمية، منتزعاً بذلك الصدارة لأول مرة من جنوب إفريقيا التي احتكرت هذا المركز منذ إطلاق المؤشر عام 2010.
وأبرز التقرير الاقتصادي أن هذا التتويج لم يكن وليد الصدفة أو مجرد طفرة عابرة، بل جاء ثمرة استراتيجية صناعية ممتدة لأكثر من عقدين، ارتكزت على ثلاثة عوامل حاسمة تتمثل في التحديث الصناعي المستمر، والتنويع المتسارع للصادرات، وفعالية السياسات العمومية، مما مكّن البلاد من الانتقال التدريجي من نمط اقتصادي تقليدي إلى نموذج متطور قائم على التصنيع والتصدير والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
وأوضح التقرير، مستنداً إلى أرقام ومعطيات رسمية، أن الصادرات الصناعية للمملكة تضاعفت خلال العقد الماضي لتصل إلى 408 مليارات درهم (ما يعادل 44.3 مليار دولار) خلال العام الماضي، مسجلة ارتفاعاً بنسبة تتجاوز 44% في غضون أربع سنوات فقط. وتأتي هذه القفزة مدفوعة بالأداء الاستثنائي لقطاعي السيارات والطيران اللذين تحولا إلى ركيزتين أساسيتين للاقتصاد الوطني؛ حيث انتزعت صادرات السيارات الصدارة من قطاع الفوسفات التقليدي، وسجلت وحدها 58.2 مليار درهم حتى نهاية أبريل الماضي بنمو سنوي فاق 18%، مدعومة بمنظومة صناعية ناضجة تقودها مجموعات عالمية مثل “رينو” و”ستيلانتيس” وتستهدف الوصول إلى إنتاج مليوني مركبة سنوياً بنهاية العقد الجاري.
وفي السياق ذاته، واصل قطاع الطيران تحليقه محققاً صادرات بقيمة 11 مليار درهم في الأشهر الأربعة الأولى من السنة، مستفيداً من حضور عملاق لشركات دولية كبرى مثل “إيرباص” و”بوينغ”.
وربط التحليل هذا التوهج الصناعي بالاستثمار المكثف والمستمر في البنية التحتية اللوجستية، وعلى رأسها المركب المينائي “طنجة المتوسط” الذي يحتل المرتبة السادسة عالمياً في كفاءة الموانئ ويشكل البوابة التصديرية الرئيسية للمملكة نحو الأسواق الدولية.
ولم يتوقف الطموح المغربي عند هذا الحد، بل يمتد حالياً صوب تدشين ميناء “الناظور غرب المتوسط” لتعزيز التنافسية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وبناء ميناء “الداخلة الأطلسي” لفتح آفاق تجارية أرحب مع القارتين الإفريقية والأمريكية، وهي الرؤية التي جعلت المغرب، بحسب خبراء اقتصاديين تحدثوا للمنصة، يستفيد بذكاء من التحولات الاقتصادية العالمية التي تلت جائحة كورونا، لاسيما توجه الشركات الكبرى نحو تقليص المخاطر وإعادة توطين إنتاجها بالقرب من الأسواق الأوروبية الرئيسية، مستغلة الاستقرار المؤسساتي والأمني للمملكة وشبكة اتفاقيات التبادل الحر.
هذه الجاذبية الاستثمارية تُرجمت على أرض الواقع بقفزة قياسية في تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي بلغت صافي 28.3 مليار درهم العام الماضي، بزيادة سنوية ناهزت 74%.
وأشارت “الشرق” إلى أن المغرب يتطلع للمقبل من السنوات بعين الطموح عبر المراهنة على ثلاث صناعات مستقبلية واعدة تشمل جيل الطيران الجديد، وبطاريات السيارات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر. وتتجلى ملامح هذا التوجه في الموجة الكثيفة للاستثمارات الآسيوية والصينية الضخمة التي استقطبتها المملكة مؤخراً لبناء منظومة متكاملة لبطاريات السيارات الكهربائية، ومنها المصنع الضخم لشركة “غوتيشن” (Gotion) بطاقة مستهدفة تصل إلى 100 غيغاواط/ساعة سنوياً، فضلاً عن حجز مساحات استراتيجية في سوق الهيدروجين الأخضر الواعد اعتماداً على الإمكانات الهائلة للمملكة في الطاقات المتجددة وسواحلها الممتدة.
ومع ذلك، لم يغفل التقرير تسليط الضوء على التحديات الهيكلية التي تواجه استدامة هذا النموذج الصناعي الطموح، حيث نقل عن خبراء مغاربة تحذيراتهم من السقوط في “فخ المنصة المتوسطة” الذي تقتصر فيه الأنشطة على التجميع والخدمات اللوجستية دون نقل حقيقي للتكنولوجيا أو تعميق الروابط مع النسيج الاقتصادي المحلي.
كما يبرز تحدي الانتقال من نموذج نمو يقوده الاستثمار العمومي في البنية التحتية إلى نموذج يقوده الاستثمار الخاص المنتج، وهو الرهان الذي تسعى الدولة لربحه عبر “ميثاق الاستثمار الجديد” لرفع حصة القطاع الخاص إلى ثلثي إجمالي الاستثمارات. وإلى جانب ذلك، يظل تأهيل رأس المال البشري وسد الفجوة بين مخرجات التكوين المهني والتعليم العالي وحاجيات الصناعات الدقيقة، فضلاً عن دمج المقاولات الصغرى والمتوسطة في سلاسل الإنتاج، شروطاً حاسمة لتحقيق قيمة مضافة أعلى تنعكس مباشرة على التنمية المستدامة وخلق فرص الشغل.







