على وقع العد التنازلي للانتخابات التشريعية المرتقبة في23 شتنبر المقبل، بدأت مؤشرات التمايز داخل مكونات الأغلبية الحكومية تطفو بشكل أكثر وضوحاً على السطح، في ظل تصاعد النقاش العمومي حول القدرة الشرائية وارتفاع أسعار عدد من المواد الاستهلاكية.
وفي هذا السياق، برزت خلال الأسابيع الأخيرة مواقف وتصريحات صادرة عن قيادات في حزب الاستقلال، حملت رسائل سياسية واقتصادية اعتبرها متابعون مؤشراً على سعي الحزب إلى إبراز خصوصيته داخل التحالف الحكومي.
وفي هذا الإطار، أثارت التصريحات الأخيرة للأمين العام للحزب، نزار بركة، خلال لقاء احتضنته مدينة الدار البيضاء، اهتماماً سياسياً لافتاً، بالنظر إلى تركيزها على إشكالية الغلاء واختلالات سلاسل التوزيع. وبالنسبة لعدد من المراقبين، فإن هذه المواقف تتجاوز مجرد تقديم تشخيص اقتصادي للمرحلة، لتُقرأ أيضاً في سياق الاستعدادات المبكرة للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ومحاولة كل مكون سياسي تعزيز موقعه أمام الرأي العام.
ويبدو أن استحضار ملف الوسطاء في سلاسل التوزيع، استناداً إلى معطيات وتقارير صادرة عن مؤسسات رسمية، من بينها مجلس المنافسة، يندرج ضمن هذا التوجه. فموضوع الأسعار والقدرة الشرائية يظل من أكثر القضايا التصاقاً بالانشغالات اليومية للمواطنين، ما يجعل أي خطاب سياسي مرتبط به يحظى بمتابعة واسعة ويتجاوز في تأثيره العديد من المؤشرات الاقتصادية الكلية.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التركيز المتزايد من قبل قيادات استقلالية على أوضاع الطبقة المتوسطة وضرورة حمايتها من تداعيات الغلاء، باعتباره محاولة لإبراز تمايز الحزب في مقاربة بعض الملفات الاجتماعية والاقتصادية، رغم مشاركته في تدبير الشأن العام ضمن الأغلبية الحالية. كما يحمل هذا الخطاب، وفق قراءات سياسية متقاطعة، رسالة مفادها أن الحزب يسعى إلى تقديم نفسه كقوة قادرة على الدفاع عن الفئات المتضررة من ارتفاع الأسعار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على موقعه داخل التحالف الحكومي.
وفي السياق ذاته، أثار مقترح إعطاء الأولوية لتزويد السوق الوطنية بالإنتاج الفلاحي قبل توجيهه إلى التصدير نقاشاً أوسع حول النموذج الفلاحي المعتمد بالمغرب خلال العقود الأخيرة. ويرى متابعون أن هذا الطرح يعكس تصاعد الاهتمام بمفاهيم الأمن والسيادة الغذائيين في ظل التحولات الدولية المتسارعة، كما يفتح الباب أمام إعادة تقييم التوازن القائم بين متطلبات السوق الداخلية ورهانات التصدير.
ويكتسي هذا النقاش بعداً سياسياً إضافياً بالنظر إلى ارتباط السياسات الفلاحية خلال السنوات الماضية بحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة الحالية. لذلك يطرح هذا التوجه تساؤلات بشأن طبيعة العرض السياسي الذي قد يتبناه حزب الاستقلال خلال انتخابات 2026، وما إذا كان الأمر يتعلق بمراجعة حقيقية لبعض الاختيارات الاقتصادية السابقة، أم بتموقع سياسي يروم تعزيز حضوره الانتخابي واستقطاب فئات متضررة من تداعيات الأزمة المعيشية.
وفي جميع الأحوال، يجد حزب الاستقلال نفسه أمام معادلة دقيقة تتمثل في الجمع بين متطلبات التضامن الحكومي من جهة، والحاجة إلى إبراز هويته السياسية وبرنامجه الخاص من جهة أخرى. وهي معادلة لا تقتصر على هذا الحزب وحده، بل تطرح نفسها عادة على مختلف الأحزاب المشاركة في الحكومات مع اقتراب المواعيد الانتخابية.
وبصرف النظر عن مآلات هذه الدينامية السياسية، فإن المؤكد أن النقاش العمومي بدأ ينتقل تدريجياً إلى منطق ما قبل الانتخابات، حيث تسعى الأحزاب إلى إعادة ترتيب مواقعها وتحديد أولوياتها الخطابية. وفي هذا السياق، تبدو قضايا المعيشة والقدرة الشرائية مرشحة لتكون من أبرز عناوين التنافس السياسي خلال المرحلة المقبلة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالانشغالات اليومية للناخبين.







