لم يعد الشرق الأوسط يشهد مجرد خلاف عابر بين حليفين تاريخيين، بل تحول المشهد إلى صدع استراتيجي عميق يضع “العقيدة البراغماتية” لدونالد ترامب في مواجهة مباشرة مع طموحات بنيامين نتنياهو. ففي لحظة فارقة، فاجأ ترامب الجميع باتفاق مع طهران أثبت أن “غريزة حماية المصلحة الأمريكية” هي البوصلة الوحيدة التي توجه البيت الأبيض، حتى لو كان ثمن ذلك إذلال الحليف الإسرائيلي الذي كان يمني النفس بإسقاط النظام الإيراني.
تأتي هذه التحولات بعد أن وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود بسبب سياسات نتنياهو التصعيدية، لا سيما بعد محاولاته المتكررة لتقويض الاتفاق عبر قصف الضاحية الجنوبية لبيروت وتوسيع نطاق العمليات. وقد دفعت “غريزة البقاء” الاقتصادي والسياسي ترامب إلى تجنب التورط في حرب إقليمية طويلة الأمد قد تستنزف موارد بلاده، ليوافق على مسودة اتفاق تمنح إيران مكتسبات استراتيجية كبرى، تشمل رفع العقوبات وتسليم أصول بمليارات الدولارات، مقابل التهدئة. ورغم هذه التنازلات، يظل الاتفاق خالياً من أي قيود على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني أو شبكة الميليشيات الوكيلة، مما يمنح النظام الإيراني متنفساً اقتصادياً لتعزيز نفوذه.
ولم يعد هذا التحالف يُدار خلف الأبواب المغلقة، بل تحول إلى صدع علني مشحون بالتوتر؛ فقد رفضت الولايات المتحدة طلباً إسرائيلياً للاطلاع على مذكرة التفاهم، في خطوة غير مسبوقة جاءت رداً على تقارير كشفت تجسس إسرائيل على كبار المسؤولين الأمريكيين. كما لم يتردد ترامب في انتقاد نتنياهو علناً، واصفاً إياه بأنه “رجل صعب للغاية” ومتهماً إياه بقتل المدنيين، مؤكداً أن عليه الامتنان للاتفاق الذي جنب إسرائيل خطراً وجودياً.
وتشير تحليلات في “فورين بوليسي” إلى أن هذا الصدع قد يؤشر إلى نهاية التحالف التقليدي، حيث سيغادر نتنياهو المشهد السياسي تاركاً إسرائيل في وضع استراتيجي أكثر هشاشة.
على الجانب الآخر، يمثل الاتفاق بالنسبة إلى طهران “انتصاراً استراتيجياً” بكل المقاييس، حيث نجحت في الخروج من أزمة وجودية وهي أكثر قوة وثقة. فبالإضافة إلى المكاسب الاقتصادية، استعادت إيران شرعيتها الدبلوماسية عبر الانخراط الرسمي مع واشنطن، محتفظة بنفوذها الإقليمي عبر جبهات مترابطة. ويرى مراقبون أن قدرة واشنطن على ممارسة الضغط على طهران قد تضاءلت بشكل ملموس، حيث انتهت الحملة التي كانت تهدف لإضعاف النظام الإيراني بتحوله إلى طرف معزز ومُعترف به دولياً، مما يقلل احتمالية الصراع واسع النطاق على المدى القريب.
وفي المحصلة، يواجه نتنياهو اليوم موجة انتقادات داخلية تصفه بـ”مهندس الفشل”، بعد أن تبخرت وعوده بتحويل إسرائيل إلى قوة عظمى تقود محوراً إقليمياً، لتنتهي الأمور باتفاق يثبت نفوذ خصمه اللدود ويمنح طهران صندوق تنمية لإعادة الإعمار.
ومع ترجيحات بسقوطه في الانتخابات المقبلة، يظل المشهد شاهداً على براغماتية ترامب التي لم تتردد في التضحية بتحالفات عقود من أجل إنهاء “نزيف الاقتصاد العالمي”، تاركةً إسرائيل تواجه وحدها تداعيات اتفاق لم تكن جزءاً من صياغته.







