شهدت الجامعة الدولية بالرباط، في إطار فعاليات “أيام ممكن 2026″، نقاشا فكرياً ومؤسساتياً رفيع المستوى، تلاقت فيه رؤى المسؤولين والأكاديميين مع خبرات ومؤهلات الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج، لصياغة معالم الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي وتعزيز السيادة الرقمية للمملكة في أفق عام 2030. وجاء هذا اللقاء، الذي تميز بحضور وازن لرئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عبد القادر عمارة، ورئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج إدريس اليزمي، والمدير العام للمديرية العامة للأمن ونظم المعلومات الجنرال عبد الله بوطريق، ليؤكد أن الرأسمال البشري المغربي المنتشر عبر العالم لم يعد مجرد رافد مالي، بل بات أصلاً استراتيجياً حاسماً، وقاطرة مؤهلة لقيادة التحولات التكنولوجية وترسيخ مكانة المغرب كقطب إقليمي وإفريقي رائد في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.
وفي سياق القراءة التنموية والاقتصادية لهذه التحولات المتسارعة، برزت التقاطعات الرؤيوية التي توافق عليها المشاركون، وعلى رأسهم عبد القادر عمارة، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي؛ إذ تم التأكيد على أن العالم يعيش منعطفاً حاسماً جعل من السيادة الرقمية والذكاء الاصطناعي أبرز رهانات القدرة التنافسية للدول. ولم يعد امتلاك التكنولوجيا أو استهلاكها كافياً لضمان الاستقلال الاستراتيجي، بل أصبحت القدرة على إنتاج المعرفة الرقمية، والتحكم في البيانات، وتطوير الحلول الذكية، هي العامل الحاسم لحماية الأمن القومي الاقتصادي وتعزيز أركان التنمية المستدامة للمملكة.
هذا الطرح الاستراتيجي يقتضي بالضرورة آلية تنفيذية قوامها العنصر البشري؛ وهنا يبرز الدور المحوري لمجلس الجالية المغربية بالخارج برئاسة إدريس اليزمي، حيث ركزت المداولات على أن مبادرة “أيام ممكن 2026” تمثل فضاءً نموذجياً للحوار والتفكير الجماعي وتوحيد جهود الفاعلين المؤسساتيين مع النخب المهاجرة. والهدف الأساسي هو بناء جسور دائمة ومستدامة بين المغرب وكفاءاته التي راكمت تجارب رائدة في أكبر مراكز الابتكار العالمية، واستثمار هذا الرصيد البشري لبلورة منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي قائمة على الابتكار والأخلاقيات والثقة الرقمية، بما ينسجم تماماً مع التوجيهات الاستراتيجية للمملكة.
وفي دلالة رمزية على هذه القدرة، أشار عمر المرابط، رئيس المنتدى المغربي للكفاءات والنخب، إلى أن احتضان الجامعة الدولية بالرباط لهذا اللقاء يجسد هذا التلاحم، لكونها مؤسسة تأسست بمبادرة من نخب مغاربة العالم. ورابطاً بين التميز العلمي والتوهج الرياضي الوطني، استشعر المرابط في نجاح أبناء الجالية رفقة المنتخب الوطني لكرة القدم نموذجاً ملهماً لما يمكن أن تحققه الكفاءات المغربية في شتى المجالات إذا ما ذُللت العقبات أمامها، مؤكداً أن طموح المملكة لا ينحصر في الرياضة بل يمتد إلى الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد، وهو ما دفع بتأسيس المنتدى لخلق فضاءات تواصل تمكّن الخبراء من تقديم مشوراتهم لخدمة الأوراش الوطنية.
ومن منظور الشريك الاقتصادي، ساق كريم عمور، رئيس الجهة الثالثة عشرة للاتحاد العام لمقاولات المغرب، نماذج دولية أكدت أن طفرات الدول التكنولوجية قامت على أكتاف نخبها المهاجرة التي تعود في مراحل متقدمة لتوطين المعرفة. واعتبر عمور الجالية مورداً استراتيجياً لفائدة النسيج المقاولاتي الوطني، مستشهداً بشبكة الاتحاد التي تضم كفاءات في أكثر من 110 دول، ومستحضراً رغبة مهندس مغربي بشركة “إيرباص” العالمية في العودة لتطوير منظومة طائرات مسيرة من الجيل الجديد بالمغرب، وهي مشاريع يبدي الاتحاد استعداداً تاماً لمواكبتها وربطها بالأنظمة البيئية الصناعية المحلية.
بيد أن هذا الطموح، كما يرى عمور، يستوجب تدبيراً عقلانياً يعالج التشتت الحالي في استخدامات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، ويضمن التوازن بين ثورة الروبوتات والأنظمة الذاتية التعلم وبين الحفاظ على فرص الشغل في سوق عمل متغير. وفي الشق المرتبط بالأمن السيبراني، نبه عمور إلى التحديات المقلقة التي تطرحها نماذج الذكاء الاصطناعي في اختراق أنظمة الحماية التقليدية، مؤكداً أن الكفاءات المغربية بالخارج التي تشتغل اليوم على تقنيات التشفير “ما بعد الكمي” في أوروبا وأمريكا، تمثل قيمة مضافة حاسمة لتحصين المعطيات السيادية للمملكة، ومشدداً في الختام على أن المرحلة تقتضي مأسسة هذه الجسور لتحويل المعرفة إلى مشاريع تنموية ملموسة.
سيادة المغرب الرقمية في أفق 2030.. كفاءات الخارج ترسم معالم “الاستقلال التكنولوجي” من الرباط







