لم تنظر الصحافة الدولية إلى فوز المنتخب المغربي على كندا بثلاثية نظيفة، والتأهل إلى ربع نهائي كأس العالم 2026، باعتباره مجرد انتصار في مباراة إقصائية، بل اعتبرته دليلاً جديداً على أن “أسود الأطلس” تجاوزوا مرحلة المفاجأة، ودخلوا نادي المنتخبات التي تُحسب لها ألف حساب في كرة القدم العالمية.
اللافت في التحليلات الصادرة عن كبريات وسائل الإعلام لم يكن الاحتفاء بالنتيجة فقط، بل التركيز على “التحول البنيوي” الذي تعرفه الكرة المغربية، وكيف انتقلت من الاعتماد على الموهبة الفردية إلى بناء مشروع رياضي متكامل يجمع بين جودة التكوين، والاستقرار الفني، والقدرة على إدارة المباريات الكبرى.
ووصفت وكالة “رويترز” المنتخب المغربي بأنه أصبح “فريقاً من الصف الأول”، مشيرة إلى أن العلامة الفارقة في أدائه لم تعد تكمن في المهارات الفردية، بل في عقلية الفرق الكبيرة التي تعرف كيف تعاني، وتمتص ضغط المنافس، ثم تضربه في اللحظة المناسبة. واستشهدت بما حدث أمام كندا، حيث عانى المغرب في الشوط الأول، قبل أن يعود في الثاني أكثر تنظيماً ونجاعة، مسجلاً ثلاثة أهداف من أربع تسديدات فقط على المرمى، وهي نسبة فعالية تعكس نضجاً تكتيكياً كبيراً.
أما صحيفة “The Guardian” البريطانية، فاعتبرت أن ما يميز المنتخب المغربي اليوم هو نجاحه في الجمع بين مدرستين؛ الصلابة الدفاعية والانضباط اللذان ميزا مرحلة وليد الركراكي، مع جرأة هجومية أكبر ظهرت في عهد المدرب محمد وهبي. ورأت أن هذا المزيج منح المغرب شخصية أكثر توازناً، قادرة على التكيف مع سيناريوهات المباريات المختلفة دون أن يفقد هويته.
ولم تتوقف التحليلات عند الجانب التكتيكي، بل ذهبت إلى قراءة أعمق لطبيعة المشروع المغربي. فقد اعتبر عدد من الخبراء أن الإنجاز الحالي هو ثمرة سنوات من الاستثمار في مراكز التكوين، واستقطاب الكفاءات المغربية الممارسة في أكبر الدوريات الأوروبية، إضافة إلى الاستقرار الذي عرفته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وهو ما جعل المنتخب يحافظ على تنافسيته بعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر 2022، بدلاً من أن يتراجع كما حدث مع منتخبات صنعت مفاجآت عابرة في نسخ سابقة.
وأجمع محللون دوليون على أن المغرب لم يعد يعتمد على نجم واحد يصنع الفارق، بل بات يمتلك مجموعة قادرة على توزيع الأدوار، وهو ما ظهر في مواجهة كندا، حيث خطف عز الدين أوناحي الأضواء بثنائية بعد تغيير مركزه داخل الملعب، في خطوة تكتيكية وصفها المدرب محمد وهبي بأنها جاءت بعد مراجعة دقيقة لما جرى في الشوط الأول.
كما أبرزت التحليلات أن المنتخب المغربي بات يتقن واحدة من أصعب المهارات في كرة القدم الحديثة، وهي “إدارة المباريات”. فبدلاً من الاندفاع منذ البداية، عرف كيف يتحمل ضغط المنتخب الكندي على أرضه وأمام جماهيره، ثم استغل تراجع المنافس مع مرور الوقت ليحسم المواجهة بأقل مجهود ممكن، وهي السمة التي تميز عادة المنتخبات المرشحة للمنافسة على اللقب.
ورغم الإشادة الواسعة، لم تغفل بعض التحليلات الإشارة إلى أن المغرب لا يزال مطالباً بتأكيد هذا المستوى أمام منتخبات أكثر قوة في الأدوار المقبلة. غير أن أغلبها اتفق على أن “أسود الأطلس” لم يعودوا الفريق الذي ينتظر ارتكاب المنافس للخطأ، بل أصبحوا منتخباً يفرض إيقاعه ويملك من النضج والخبرة ما يؤهله للذهاب بعيداً في البطولة.
والخلاصة التي تكررت في معظم المقالات الدولية كانت واضحة: “المغرب لم يعد “الحصان الأسود” لكأس العالم، بل تحول إلى قوة كروية مستقرة، وأصبح بلوغ الأدوار المتقدمة بالنسبة إليه نتيجة منطقية لمشروع رياضي طويل، وليس مجرد مفاجأة عابرة”.







