بعد خمسة عشر عاما من إقرار دستور 2011، صدر بالجريدة الرسمية الظهير الشريف رقم 1.26.22 القاضي بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، في خطوة تستكمل تنزيل مقتضيات الفصل 133 من الدستور، الذي يتيح للمتقاضين إثارة الدفع بعدم دستورية مقتضى تشريعي يمس بالحقوق والحريات التي يكفلها الدستور.
ويؤسس هذا القانون التنظيمي لآلية قانونية جديدة تخول لأطراف النزاعات المعروضة أمام مختلف محاكم المملكة التمسك بعدم دستورية النصوص التشريعية المراد تطبيقها في قضاياهم، متى تبين أنها تقيد أو تنتهك حقا من الحقوق أو حرية من الحريات المضمونة دستورياً، بما يوسع نطاق الولوج إلى العدالة الدستورية ويجعلها مرتبطة بالمنازعات القضائية اليومية.
وأحاط المشرع هذه الآلية بمجموعة من الضوابط المسطرية لضمان جديتها وحسن سير العدالة، إذ اشترط تقديم الدفع بموجب مذكرة كتابية مستقلة وموقعة من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، مع أداء الرسوم القضائية المستحقة، وتحديد المقتضى القانوني المطعون فيه بدقة، فضلاً عن بيان الحق أو الحرية الدستورية المدعى انتهاكها، على أن يكون النص التشريعي موضوع الدفع هو ذاته المطبق أو المراد تطبيقه في النزاع المعروض على القضاء.
وتمر مسطرة البت في الدفع بعدم الدستورية عبر عدة مراحل قضائية، تبدأ بمحكمة الموضوع، سواء كانت ابتدائية أو استئنافية، التي تتولى داخل أجل ثمانية أيام التحقق من استيفاء الطلب للشروط القانونية قبل إحالته، عند الاقتضاء، على محكمة النقض. وتتولى هذه الأخيرة فحص جدية الدفع ومدى ارتباطه بالحقوق والحريات الدستورية، وكذا التأكد من عدم سبق بت المحكمة الدستورية في مطابقة المقتضى التشريعي المطعون فيه للدستور، ما لم تكن الأسس التي استند إليها قرار المطابقة قد تغيرت.
ويمنح القانون لمحكمة النقض أجل خمسة عشر يوماً لاتخاذ قرارها بشأن إحالة الملف على المحكمة الدستورية أو التصريح بعدم قبوله، فيما تبت المحكمة الدستورية في الدفع داخل أجل أقصاه تسعون يوماً من تاريخ توصلها بالملف، ويكون قرارها نهائياً وملزما.
ومن بين الآثار القانونية المترتبة عن إثارة الدفع وقبوله وقف البت في الدعوى الأصلية إلى حين صدور قرار المحكمة الدستورية، تفادياً لإصدار أحكام تستند إلى نصوص تشريعية قد يقضى بعدم دستوريتها. غير أن القانون استثنى من هذا الوقف القضايا الاستعجالية والتدابير الحمائية المؤقتة وإجراءات التحقيق الجنائي التي لا تحتمل التأخير.
ويترتب عن الحكم بعدم دستورية مقتضى تشريعي إلغاؤه من المنظومة القانونية ابتداء من التاريخ الذي تحدده المحكمة الدستورية، بما يكرس آلية الرقابة البعدية على دستورية القوانين المنصوص عليها في دستور 2011، ويتيح للمتقاضين إمكانية التمسك بالحقوق والحريات الدستورية أمام القضاء.
وفي أفق ضمان التنزيل الأمثل لهذه الآلية الجديدة، نص القانون التنظيمي على فترة انتقالية تمتد لأربعة وعشرين شهراً من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية قبل دخوله حيز التنفيذ، بما يتيح تهيئة مختلف المتدخلين القضائيين والقانونيين واستكمال المتطلبات التنظيمية والعملية اللازمة لتفعيل مقتضياته.







