لم تكن خسارة المنتخب الفرنسي أمام إسبانيا في نصف نهائي كأس العالم 2026 مجرد نهاية لمشوار “الديوك”، بل تحولت إلى محطة أعادت طرح أسئلة مؤجلة داخل الشارع الرياضي المغربي بشأن الطريقة التي خاض بها المنتخب الوطني مباراته أمام فرنسا في ربع النهائي، والتي انتهت بهزيمة أثارت الكثير من الجدل.
فبعد أيام قليلة فقط من إقصاء المغرب، جاءت إسبانيا لتقدم وصفة مختلفة تماما في التعامل مع المنتخب الفرنسي، ليس فقط من الناحية التكتيكية، بل أيضا من حيث الشخصية والثقة والإيمان بإمكانية الفوز، لتنتهي المواجهة بانتصار إسباني مستحق بهدفين دون رد، وسط إجماع عالمي على أن فرنسا بدت عاجزة ومشلولة أمام التنظيم الإسباني.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل كانت فرنسا بالفعل “الوحش” الذي لا يمكن هزيمته كما تم تقديمها قبل وبعد مواجهة المغرب؟
اللافت أن الناخب الوطني محمد وهبي، وفي حديثه بعد الإقصاء، قال إنه لا يعرف كيف كان بالإمكان هزيمة فرنسا، مضيفا أن أقصى ما كان يتمناه هو “إزعاجها قليلا”. وهو تصريح أعاد إشعال النقاش، خاصة بعد أن أثبتت إسبانيا أن فرنسا ليست فريقا خارج متناول المنافسين، بل يمكن السيطرة عليها وإبطال خطورتها إذا توفرت الجرأة والتنظيم والإيمان بالقدرة على الانتصار.
الصحافة العالمية: إسبانيا لم تهزم فرنسا بالحظ
الصحافة الدولية لم تتحدث عن مفاجأة، بل عن تفوق تكتيكي كامل.
صحيفة “لوموند” الفرنسية اعتبرت أن إسبانيا “فككت” المنتخب الفرنسي، بعدما سيطرت على إيقاع المباراة وحرمت نجوم فرنسا من فرض أسلوبهم، بينما اعترف اللاعب ريان شرقي بأن المنتخب الفرنسي “خسر أمام نفسه”، في اعتراف ضمني بأن المنافس نجح في فرض شروطه.
أما وكالة “أسوشييتد بريس” فركزت على الصلابة الدفاعية الإسبانية، مشيرة إلى أن منتخب “لاروخا” أغلق جميع المنافذ أمام مبابي وديمبيلي وأوليسي، وأن فرنسا لم تجد أي حلول هجومية طوال المباراة.
بدورها، وصفت صحيفة “الغارديان” الأداء الإسباني بأنه درس تكتيكي حقيقي، حيث سيطر الإسبان على وسط الميدان، وفرضوا نسقهم، وأجبروا فرنسا على ارتكاب الأخطاء، لتبدو لأول مرة في البطولة عاجزة عن صناعة الخطورة.
والأهم أن معظم التحليلات الفنية أجمعت على أن مفتاح الانتصار الإسباني لم يكن الفوارق الفردية، وإنما رفض منح فرنسا الهيبة النفسية، والضغط عليها منذ البداية، ومنعها من فرض شخصيتها على اللقاء.
هل بدأت هزيمة المغرب قبل المباراة؟
في كرة القدم الحديثة، لا يبدأ الإعداد للمباراة داخل المستطيل الأخضر فقط، بل يبدأ في الخطاب الذي يتلقاه اللاعبون طوال أيام التحضير.
صحيح أن وهبي أكد قبل مواجهة فرنسا أن فريقه لا يقبل منطق الاكتفاء بما تحقق وأنه يسعى للفوز، إلا أن تصريحاته بعد الإقصاء، التي أوحت بأن هزيمة فرنسا كانت شبه مستحيلة وأن الهدف كان فقط “إزعاجها”، أعادت رسم صورة مختلفة عن القناعة التي كانت تحكم الجهاز الفني.
وهنا يبرز سؤال مشروع حول ما إذا كان المدرب نفسه، بعد أيام فقط من المباراة، يعترف بأنه لم يكن يرى إمكانية هزم فرنسا، فهل كان هذا الشعور حاضرا، ولو بشكل غير مباشر، داخل غرفة الملابس قبل المواجهة؟
في علم النفس الرياضي، تنتقل قناعة المدرب إلى لاعبيه بسهولة، سواء عبر الكلمات أو طريقة إعداد المباراة أو حتى الخيارات التكتيكية. فعندما يشعر اللاعب بأن مدربه يؤمن بإمكانية الفوز، يلعب بعقلية مختلفة تماما عن لاعب يشعر أن أقصى طموح فريقه هو تقليل الأضرار.
إسبانيا قدمت الدليل.. فرنسا منتخب يمكن خنقه
لن يكون من الدقة الجزم بأن المغرب كان سيفوز حتما لو اعتمد النهج الإسباني، فكل مباراة لها ظروفها، وإسبانيا تمتلك خصائص فنية مختلفة عن المنتخب المغربي.
لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن المباراة الإسبانية نسفت فكرة أن فرنسا فريق لا يمكن مجاراته. فقد تعرضت لضغط عال، وخسرت معركة وسط الميدان، وفقد نجومها تأثيرهم، وبدت عاجزة عن إيجاد الحلول، وهو ما يؤكد أن مواجهتها كانت قابلة لسيناريوهات أخرى غير تلك التي عاشها المنتخب المغربي.
بل إن بعض المحللين كانوا قد حذروا قبل اللقاء من أن استحواذ إسبانيا وسيطرتها على وسط الميدان قد يشكلان نقطة ضعف حقيقية للمنتخب الفرنسي، وهو ما تحقق بالفعل على أرض الواقع.
مراجعة مطلوبة لا محاكمة
لا ينبغي أن يتحول هذا النقاش إلى محاكمة للمدرب محمد وهبي أو التقليل مما حققه المنتخب في البطولة، لكنه في المقابل يفرض مراجعة صريحة لواحد من أهم عناصر المنافسة في البطولات الكبرى: الإعداد الذهني.
فالمنتخبات الكبرى لا تنتصر فقط بالخطط، بل أيضا بإقناع لاعبيها بأن أي منافس، مهما بلغت قوته، قابل للهزيمة.
ولعل أكبر درس خرجت به الجماهير المغربية من ليلة إسبانيا وفرنسا ليس أن المغرب كان سيهزم فرنسا حتما، فهذا يبقى افتراضا لا يمكن إثباته، وإنما أن فرنسا لم تكن ذلك “الخصم المستحيل” الذي ترسخ في الأذهان.
وربما لهذا السبب بالذات سيظل السؤال مطروحا طويلا: هل خسر المغرب أمام فرنسا داخل الملعب… أم أن جزءا من الهزيمة بدأ قبل صافرة البداية، عندما كبر الخصم في العقول أكثر مما كان عليه فوق أرضية الميدان؟







