أعادت حصيلة الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان إلى الواجهة تساؤلات بشأن مدى نجاحها في تحقيق التحول التنموي المنشود داخل مجالات تدخلها، وذلك بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على إحداثها واستثمارات عمومية تجاوزت 153 مليار درهم، وسط مؤشرات تطرح إشكالات مرتبطة بالحكامة ونجاعة الاختيارات الاستراتيجية وآليات تقييم الأثر التنموي للمشاريع المنجزة.
وفي هذا السياق، قدم الخبير الاقتصادي إدريس الفينة، تشخيصا نقديا لمسار الوكالة، خلص فيه إلى أن محدودية أثرها التنموي تعود بالأساس إلى اختلالات بنيوية في نموذج الحكامة المعتمد، أكثر من ارتباطها بحجم التمويلات والاستثمارات المعبأة.
واعتبر الفينة في منشور تقاسمه على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن الوكالة التي أحدثت بموجب القانون رقم 06.10، لم تُنشأ لتكون مجرد آلية لتمويل المشاريع أو وسيطاً بين مختلف القطاعات المتدخلة، وإنما أوكلت إليها مهمة قيادة التنمية الشاملة لمناطق الواحات وشجر الأركان، عبر إعداد البرامج التنموية وتنسيق تدخلات الفاعلين وتتبع تنفيذها وتقييم نتائجها، غير أن التجربة العملية كشفت، بحسبه، عن فجوة واضحة بين الأدوار التي يمنحها لها القانون والصلاحيات والإمكانات المتاحة لها فعليا.
وسجل الخبير الاقتصادي أن حجم الاستثمارات العمومية المعبأة داخل مجال تدخل الوكالة تجاوز 153 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2012 و2024، إلا أن هذه الموارد لا تعكس بالضرورة حجم التمويل المتاح للوكالة ذاتها، باعتبار أن جزءاً مهماً منها يندرج ضمن استثمارات تنجزها قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية وشركاء متعددون. ويرى أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في حجم الأموال المعبأة، وإنما في محدودية قدرة الوكالة على توجيهها وضمان التقائية البرامج وتحقيق أثر تنموي متكامل.
ووضع الفينة اختلال الحكامة على رأس أسباب محدودية الأثر التنموي للوكالة، معتبراً أن القانون منحها مهمة التنسيق دون أن يمنحها سلطة فعلية لإلزام مختلف المتدخلين باحترام برنامج تنموي موحد، الأمر الذي يجعلها مسؤولة نظرياً عن نتائج اقتصادية واجتماعية وبيئية لا تتحكم في معظم وسائل تحقيقها، وهو ما يفضي، بحسب تقديره، إلى “مسؤولية موزعة” بين مختلف المؤسسات المتدخلة.
كما انتقد طبيعة الاستراتيجية المعتمدة من طرف الوكالة، معتبراً أن اتساع الأهداف وتعدد الأولويات يفرغان مفهوم الأولوية من مضمونه العملي، متسائلا عما إذا كانت الأولوية ينبغي أن تمنح للأمن المائي أو لمحاربة الهجرة أو لإنقاذ الواحات الأكثر هشاشة أو لتنويع الاقتصاد المحلي وخلق فرص الشغل، مؤكداً أن الاستراتيجية الناجحة تقتضي الحسم في الاختيارات الأساسية بدل الاكتفاء بصياغة أهداف عامة وفضفاضة.
ورغم تسجيل تحسن ملموس في مؤشرات الولوج إلى الماء الصالح للشرب والكهربة القروية وفك العزلة والتمدرس داخل مناطق تدخل الوكالة، يرى الفينة أن هذه النتائج تندرج، في جزء مهم منها، ضمن التحسن الذي عرفه المغرب بفضل تدخلات قطاعات ومؤسسات وطنية متعددة، ولم تواكبها بالضرورة تحولات اقتصادية عميقة قادرة على بناء اقتصاد محلي منتج ومستدام يحد من الهجرة ويخلق فرص الشغل ويحافظ على الموارد الطبيعية.
وفي ما يتعلق بالمؤشرات الاقتصادية المعلنة، والتي تتحدث عن ارتفاع الناتج الداخلي الخام لمجال تدخل الوكالة إلى نحو 171 مليار درهم وخلق أكثر من 123 ألف منصب شغل خلال الفترة الممتدة بين 2013 و2022، دعا الخبير الاقتصادي إلى التعامل معها بحذر، مؤكداً أنها لا تسمح بإثبات وجود علاقة سببية مباشرة بين تدخلات الوكالة والتحولات الاقتصادية المسجلة، في غياب آليات علمية لقياس الأثر الحقيقي لمختلف البرامج والمشاريع المنجزة.
كما سجل وجود قصور في منظومة تقييم النتائج، معتبراً أن المؤشرات المعتمدة تخلط بين التطور العام الذي عرفته مناطق تدخل الوكالة ونتائج السياسات العمومية المختلفة وبين ما يمكن نسبه مباشرة إلى تدخلاتها، الأمر الذي يؤدي، بحسبه، إلى تضخيم صورة أثرها المؤسساتي ويجعل من الصعب تقييم مساهمتها الفعلية في التحولات المسجلة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.
ولم يخف الفينة تحفظه بشأن التأخر المسجل في اعتماد استراتيجية جديدة واضحة المعالم بعد انتهاء استراتيجية 2012-2022، معتبراً أن الانتقال نحو أفق 2030 لم يسبقه تقييم مستقل وشامل للاستراتيجية السابقة وفق ما تقتضيه قواعد التخطيط الاستراتيجي السليم.
وتوقف الخبير الاقتصادي عند التحديات المناخية التي تواجهها مناطق الواحات وشجر الأركان، وفي مقدمتها الجفاف واستنزاف الفرشات المائية وتراجع الأنظمة البيئية، داعياً إلى جعل الأمن المائي المحدد الحاكم لكافة الاختيارات الاقتصادية والفلاحية والعمرانية، بدل التعامل معه باعتباره مجرد محور ضمن محاور التنمية الأخرى.
وخلص الفينة إلى أن إصلاح الوكالة يقتضي الانتقال إلى ما وصفه بـ”إصلاح الجيل الثاني”، من خلال مراجعة القانون المنظم لها وإقرار عقد-برنامج وطني يحدد المسؤوليات والتمويلات والمؤشرات والآجال الزمنية، فضلاً عن تحويل البرنامج الشامل للتنمية إلى وثيقة ملزمة لمختلف المتدخلين، وإحداث صندوق خاص لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، واعتماد استراتيجية جديدة للفترة 2027-2035 تقوم على أهداف محددة وقابلة للقياس، مع إخضاع الوكالة لتقييم مستقل ودوري تنشر نتائجه للعموم.







