بعد اطلاعي على خبر متداول بشأن مناقشة أطروحة دكتوراه بكلية الآداب ببني ملال، مفاده، بحسب المعطيات المتوفرة، أن خال الطالب هو المشرف على الأطروحة وعضو في لجنة مناقشتها، استوقفني ما قد تثيره هذه الحالة، إن صحت، من إشكالات أخلاقية وأكاديمية تتعلق بتضارب المصالح واحترام مبادئ الحياد والاستقلالية والنزاهة في تقييم الأطروحات الجامعية.
هذا الخبر دفعني إلى البحث في كيفية تعامل الجامعات في أوروبا وكندا وغيرها مع مثل هذه الحالات.
كانت المفاجأة كبيرة عندما وقفت على الصرامة التي تعتمدها هذه الجامعات في تدبير حالات تضارب المصالح.
فالأمر لا يقتصر فقط على علاقة عضو لجنة المناقشة بالطالب، بل يمتد إلى كل علاقة قد تؤثر، أو قد ينظر إليها على أنها تؤثر، في استقلالية التقييم وحياده، بما في ذلك علاقات الإشراف العلمي، والتعاون البحثي، والمصالح المهنية والإدارية، والعلاقات الإنسانية وغيرها من الحالات التي قد تثير شبهة التأثير على القرار الأكاديمي.
تخيلوا أن الأمر لا يقتصر على القرابة العائلية او المصالح المادية، بل يمتد حتى إلى ما يسمى ب “المصالح الرمزية”، مثل: الدعوة إلى حدث علمي مرموق، أو التوقيع المشترك على منشور علمي، أو الوعد بلقب شرفي، أو الحصول على جائزة، وغيرها من المنافع التي قد ينظر إليها على أنها تؤثر، في استقلالية وحياد عضو لجنة المناقشة (أين نحن من هذا؟).
ولم يقتصر الأمر على وجود نصوص وقواعد، بل إن بعض المؤسسات في كندا تلزم أعضاء لجان المناقشة، قبل مباشرة مهامهم، بملء استمارة (أنظر الصورة) تتضمن تصريحا بالشرف بعدم وجود أي حالة من حالات تضارب المصالح، تتضمن أسئلة صريحة حول علاقات القرابة، والإشراف العلمي، والتعاون البحثي، والمصالح المهنية أو المالية وغيرها.
بل أكثر من ذلك، هناك جامعات تنبه بصريح العبارة إلى أن إخفاء أي حالة من حالات تضارب المصالح قد يترتب عنه عواقب أكاديمية جسيمة، قد تصل إلى إلغاء شهادة الدكتوراه إذا ثبت لاحقا أن المناقشة تمت في ظل تضارب مصالح لم يصرح به.
وعندما انتقل فضولي إلى البحث في واقع الجامعات المغربية، كانت الصدمة كبيرة جدا.. لم أعثر على أي نص قانوني أو تنظيمي، ولا قرار وزاري، ولا حتى مقتضيات في الأنظمة الداخلية للجامعات، تنظم حالات تضارب المصالح وتمنع مشاركة أحد أقارب الطالب في الإشراف على أطروحته أو في عضوية لجنة مناقشتها.
ولعل هذا الفراغ التنظيمي هو الذي فتح الباب، منذ سنوات، أمام حالات أثارت نقاشا واسعا واستياء داخل الأوساط الجامعية.
نذكر، على سبيل المثال، ملفات تتعلق بحالات لا يقبلها العقل ولا تستقيم مع أخلاقيات العمل الأكاديمي، من قبيل مشاركة الأب مع ابنه، كما وقع بجامعة محمد الأول بوجدة، أو مشاركة شقيقين، كما أثير بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة، سواء في الإشراف على أطروحات الدكتوراه أو في عضوية لجان مناقشتها.
فضلا عن حالات مشابهة تكررت بشكل لافت داخل عدد من الجامعات المغربية، بما يجعل الأمر يتجاوز حدود الحالات الاستثنائية، ويستوجب تدخلا تشريعيا وتنظيميا واضحا وصريحا حتى لا يترسخ كإشكالية بنيوية داخل الجامعة المغربية.
لذلك، آن الأوان لسد هذا الفراغ التنظيمي بإقرار نص قانوني أو تنظيمي صريح يمنع كل أشكال تضارب المصالح في الإشراف على أطروحات الدكتوراه ومناقشتها، وفي مقدمتها مشاركة أي قريب للطالب، مهما كانت صفته، حماية لمصداقية الدكتوراه وصونا لنزاهة التقييم الأكاديمي.







