هناك مواطنون مِن بيننا مَن لا يعجبه العجب العجاب في هذه الأرض السعيدة بأهلها الطيبين؛ ولأنهم كذلك فإن ما قد يعتبر في خانة الإضرار بمصالح الوطن، بل وحتى عندما يتعلق الأمر بعدُو لا يخفي حقده علينا، فإن هؤلاء يأبون إلا أن ينتصروا لِمن لا يريد النصر والانتصار لنا، حتى ولو طارت معزة!.
لقد تتبعنا جميعا كيف أن العديد من بني جلدتنا المغاربة طبّلوا وزمّروا كثيرا لجنوب إفريقيا لأنها استطاعت جرّ إسـرائيل إلى محكمة العدل الدولية، بعدما رفعت ضدها دعوى “إبادة جماعية” في حق الفلسطينيـين؛ والغريب في المسألة أن الفرحة والبهرجة لهؤلاء الذي يقاسموننا نفس هوى هذا الوطن وسماءه وترابه وماءه، جاء يوما واحدا بعدما انتصرنا نحن المغاربة بهذا المغرب على جنوب إفريقيا هاته، التي حاربتنا ومعها “عدونا” الكلاسيكي -كما يسمي نفسه- (الجزائر) حتى لا نظفر برئاسة مجلس حقوق الإنسان الأممي.
ولكن رغم كل ما حشدوه من إمكانيات وتحريض وتأليب للدول ضدنا، إلا أننا انتصرنا، وهو الانتصار الذي لم يفرح له وبه هؤلاء المغاربةُ الذين نحسبهم مِنا، كما فرحوا وهلّلوا ومجّدوا اليوم، لهذا البلد الذي يعادينا ويعادي وحدتنا الترابية!
بالنسبة لكاتب هذه السطور لا يهمني كمغربي أن تنتصر دولةٌ في محفل قضائي عالمي لقضية إنسانية، في الوقت الذي تحملُ خنجرا صدئا، وتريد طعني من أقصى الخصر إلى أقصاه، وتقسيم كياني وجسدي وتجزيئه إرَبا إربا، ولتذهب هذه الدولة، مهما كانت، إلى الجحيم هي وانتصاراتها كهاته التي لا تقدم ولا تؤخر لي شيئا في قضيتي ومصير وطني!
لِنضع جانبا كونك “عدوا” لبلادي ووحدة أراضيَ، ولنناقش تنطعك هذا اليوم وادعاءك حمْل لواء الإنسانية وأنت تزعم الدفاع عن اضطهاد شعب وعن حريته، وأَجِبْني عن السؤال: ألمْ يحنِ الوقت بعدُ لطَي الورقة الحقوقية والرصيد النضالي للزعيم التاريخي لبلادك نيلسون مانديلا، لتُغطي على التراجع الحقوقي والفساد الحكومي المستشري والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتواصلة منذ سنوات، بل ومنذ إنهاء عهد الميز العُنصري ببلادك، إلا في بضع سنوات عاشها الجنوب إفريقيون في عهد الراحل مانديلا في حرية وشفافية غير ملطخين بفساد قادة الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني الإفريقي)؟!
قد لا نشك في نواياكم الحقوقية والإنسانية والدفاع عن الشعب الفلسطيني، ونكون من المُصفقين لكُم، ولكن دعونا نتساءل -والسؤال ليس عيبا- ونحن نستأنس بالأرقام والمعطيات الموالية، أليست ضغوطات الداخل والأزمات المتراكمة واحتمال سقوط حزبكُم الحاكم لأول مرة منذ بداية العهد الجديد، في الانتخابات التي ستجري في السنة الجارية ببريتوريا، هي ما تجعلكم تلعبون هذه الورقة الإنسانية والحقوقية الدولية لعلها تسعف قادتكم في تجاوز وضعيتهم الصعبة والنفاذ بجلدهم من حساب سياسي وكذلك قضائي؟
من المعروف جدا في السياسة وفي لُؤمها وخُبثها، استغلالُ القضايا المدغدغة لمشاعر الرأي العام، من أجل التغطية على سياسات فاسدة، والسياسات الفاسدة لنظام الحُكم في بريتوريا، لها عناوين ومؤشرات ساطعة شتى منذ سنوات؛ نذكُر منها على سبيل المثال لا الحصر، أن نسبة البطالة وصلت بحسب أحدث الإحصائيات إلى 35%، والتضخم إلى 7.4%، وأن معدلات الجريمة آخذة في الارتفاع سنة بعد أخرى، والفساد في نمو مضطرد، وأزمة الطاقة تعصف باقتصاد البلاد منذ شهور وكانت قد تسببت في احتجاجات شعبية وعمالية غاضبة، ليعلن على إثر ذلك رئيس البلاد ورئيس الحزب الحاكم سيريل رامافوزا “حالة الكارثة الوطنية” قبل أن يُحدث منصبَ وزير الكهرباء!
أضف إلى هذه المؤشرات، ونتيجةً لما سبق، أن ما قد يجعل الحزب الحاكم في جنوب إفريقيا يلعب ورقة “فلسطين” التي تحظي هذه الأيام بزخم إنساني عالمي غير مسبوق جراء ما يتعرض له الشعب الأبي من حرب إبادة وبتواطؤ القوى الدولية الكبرى، هو أن حزب “المؤتمر الوطني الأفريقي”، الذي سيطر على الحياة السياسية بفوزه في خمس انتخابات عامة متتالية، منذ سقوط نظام المـيز العنصـري في 1994، يرى المراقبون أن شعبيته في تراجع حاد، وهو ما أظهرته الانتخابات المحلية التي جرت عام 2021، حيث لم يفز الحزب إلا بأقل من 50% من الدوائر على المستوى الوطني، في سابقة هي الأولى منذ بداية التحول السياسي في البلاد منتصف تسعينيات القرن الماضي.
كلمة أخيرة.. نوجهها لبني جلدتنا المهرولين إلى تمجيد “الآخر” الخارجي، حتى ولو كان عدوا لوطننا وأرضنا وشعبنا، وفقط نكاية وابتزازا و “زْكير” في الدولة.. الرجوع لله آهاد الناس راه عدو بلادك عمرو يكون زوين مادام يحمل حقدا ورغبة مسمومة في تقسيم بلْ وهَدّ بيتك هذا الذي يأويك وأهلك وصُحبك والذي اسمه المغرب!







