يبدو أن الضربات الدبلوماسية الأخيرة التي تلقاها النظام الجزائري، على إثر المكاسب المحققة في ملف قضيتنا الوطنية، وتهافت القوى الدولية على المملكة لكسب ودها وتوثيق علاقاتها بها، بعدما تأكد مَن تأكد مِن هذه القوى وآمن بمحورية الرباط كفاعل مهم، مؤثر، وذو مصداقية، قد جعل حكام قصر المرادية، يتقدمون خطوات جديدة في جنونهم ليبلغوا درجة السُّعار وهو الدّاء الكَلبي الذي يهلك المصاب به ويفنيه!
ومع أن درجة الجنون لدى حكام الجزائر اتجاه المغرب والمغاربة ومؤسساتهم ورموزهم متواصلةٌ في حدودها العليا منذ 2019، تحديدا، عندما تمكن الثنائي رئيس أركان الجيش سعيد شنقريحة، والرئيس عبدالمجيد تبون، من الوصول إلى رأس الحُكم الذي تقوده عصابة -وفق توصيف المعارضين- حيث أعلن الرجلان منذئذ حربا بلا هوادة في البروباغندا ضد “المخزن” ووصفِه بـ”العدو الكلاسيكي”، إلا أن الأشهر والأيام الأخيرة، عرفت ازدياد وتضاعف منسوب الخَبل عند الحكام في البلد الذي يجاورنا جهة الشرق.
النتائج المبهرة التي حققها المنتخب المغربي لكرة القدم في المونديال الأخير بقطر، كانت الحادث الأبرز الذي فضح هؤلاء، وعرّى عقولَهم من آخر حجاب للوقار والرّشد، إن كانت في عقولهم بعضٌ من أمكنة لِوقار وتعقّل؛ فرأينا ورأى معنا العالم، كيف أصدر حكام دولة الجزائر تعليمات إلى المشرفين على الإعلام الحكومي والخاص، بأن لا يتحدثوا -وهم يتحدثوا عن أخبار المونديال- عن شيء اسمه “المغرب”؛ بل أذيعت نشرات وأخبار رياضية عن نتائج المباريات، وكان من اللافت للانتباه إلى حد الصدمة تغييب ذِكر “أسود الأطلس” بالرغم من أنهم كانوا طرفا في مباريات بعينها، حيث كان يكتفي المذيع أو مقدم البرنامج بتلاوة نتيجة مباراة الفريق الذي واجه الفريق المغربي، دون الإتيان على ذكر الأخير، في مشهد عبثي سريالي لم يسبق إليه أي نظام سياسي في العالم، مهما كانت عداوته مع نظام سياسي آخر؛ بل إن التعليمات قد صدرت، حينئذ للتلفزيون الحكومي، بأن لا يذكر المغرب حتى في النشرات الجوية، وكان مثيرا للاستغراب والشفقة، أيضا، عرضُ تلفزيونهم لخريطة الدول المغاربية، بينما أقدم مقص رقيبهم على قطع وحذف خريطة المغرب والإبقاء فقط على صحرائه، التي يعتبرها هذا النظام المعتوه محتلة!
واستمر العته يضرب أطنابه ويهشم الخلايا العقلية المتبقية في رؤوس حكام الجزائر نتيجة هوسهم بـ”المرّوك”/المغرب؛ بعد فضائح المونديال التي أضحكت العالم عليهم، وعرف هذا العالم بحق وعن كثب “مع من حشرنا الله في الجوار”، وهي القولة الخالدة للملك الراحل الحسن الثاني، التي ظل يوصي بها قادة العالم بأن يأخذوا عِلما بها، وبعد إنهائهم العمل بأنبوب الغاز المغاربي الذي كان يمر عبر المغرب ويتدفق في أوروبا، ثم بعدها منعهم تحليق الطيران المغربي فوق الأجواء الجزائرية، هددوا أكثر من مرة بشن حرب على المملكة، بل إن أبواقهم الدعائية، ذهبت إلى حد تحديد الحيز الزمني الذي يكفي لغزوهم الرباط والدار البيضاء، وهو بضع ساعات، قبل أن يتراجعوا عن تلك التهديدات العشواء الطائشة، بعدما فطنوا إلى أن رعونتهم وجهلهم الأعمى قد يجلب عليهم تدميرا حتميا، إذا ما دخلوا حربا هم غير مستعدين لها أكثر من أي وقت مضى، لاسيما في ظل وجود حرب طاحنة بين جنرالاتهم، حيث تكاد تكون الجزائر البلاد الأولى والوحيدة في العالم التي تأوي سجونها العشرات من الجنرالات، ويُغتال منهم العشرات أو يفروا إلى الخارج، من حين لآخر، كعنوان على شريعة الغاب التي يسيطر فيه الأقوى، فكيف بهم أن يخوضوا حربا ضد “عدو” خارجي؟!
واليوم، وبالتزامن مع تحوّل المملكة إلى قِبلة يؤمها الأصدقاء من الغرب القوي والأشقاء من العرب والأفارقة، بعد إطلاق مبادرات مبتكرة من طرف العاهل المغربي، من قبيل مبادرة الأطلسي، التي تجمع العشرات من الدول الإفريقية والأوروبية والأمريكية المطلة على المحيط الأطلسي، ومِن مثل مبادرة تمكين دول الساحل من ولوج هذا المحيط الأطلسي، وهما المبادرتان اللتان نوهت بهما واشنطن ثم تبعتها اسبانيا ومؤخرا فرنسا، التي يبدو أنها أدركت أخيرا مدى خطئها الجسيم وهي ترتمي في حضن مجانين “قصر المرادية”، فأرسلت وزير خارجيتها إلى الرباط لإعادة الدفء إلى العلاقات مع المغرب؛ وطبعا في ثنايا هاته المبادرات وفي جوهرها تبرز القضية الوطنية الأولى التي ما فتئت تلقى الدعم والتأييد. في مقابل نفور الدول بما فيها القوى الدولية والإقليمية وحتى الجيران، من هذا النظام الجزائري العسكري ومن حوله، تماما كما ينفر الناس من المصاب بالجُذام العُضال!
ولذلك فإنه ليس من الغريب أو من باب الاستثناء أن يجمع رئيسُ أركانهم سعيد شنقريحة هذا الأسبوع عسكرَه في إحدى ثكناته ويعيد نفث بذاءاته ضد المغرب ويصفه بالمحتل للصحراء، ويتعمد بانتهازية وخبث مقيت ربطه بالمحتل الإسرائيلي لأراضي فلسطين، بالموازاة مع بث وكالتهم الرسمية للأخبار قصاصة تمتح من قنوات الصرف الصحي، في تكرار لأسلوب إعلامي شاذ وبذيء ما عهد الناس أنه ينتمي لحقل الإعلام والصحافة!
والظاهر أن مقولة الشاعر حسن الذكر أبو الطيب المتنبي، قبل قرون من الزمن، “ذُو العَقْلِ يَشْقَى فِي النَّعيمِ بِعَقْلِهِ، وأَخُو الجَهَالَةِ فِي الشَّقَاوةِ يَنْعَمُ”، وجدنا أخيرا القوم الذي ينطبق عليه المعنى الحرفي للبيت الشعري؛ فبينما يمتاز الناس العقلاء بحكمتهم حتى ولو أنهم ينعمون بعيشهم، فإن الحُكام الذين يتولون أمور وحُكم الأشقاء الجزائريين، يبدو أنهم يجدون في كل هذا الشقاء والتعاسة والجهالة والخبالة وحتى السُّعار الذاهب بهم إلى الهاوية.. يجدون فيه نعيمهم الذي يستلذون به، حتى ولو أضاعوا الملايير على مجرد شعارات، وحتى لو جعلوا شعبهم يقف في طوابير على مواد غذائية أساسية فلا يجدونها، وحتى لو انفض من حولهم الأصدقاء القريبون والبعيدون وبقوا وحدهم منبوذين!!







