تصور أن نقيم أنفسنا دون خضوع للأنانية، أن نقيم أوطاننا بلا تأثر بما ندعوه الوطنية، وبصفة عامة أصبح الإنسان العاقل حلمي كما كان الإنسان الإلهي من قبل…
اقتباس على لسان جعفر بطل رواية الأديب الكبير نجيب محفوظ، و لي كنعتبرها من أكثر الروايات المظلومة في أدب محفوظ، لأسباب كثيرة منها ما أعتبره أشبه بالعرف عند النقاد، رأي متوارث يفترض التركيز على الثلاثية و أولاد حارتنا و كأن نجيب محفوظ لم يكتب غيرها.
قصة الرواية
رواية قلب الليل تحكي عن رجل مشرد سميتو جعفر السيد الراوي، لي غايعاود قصة حياته لموظف بوزارة الأوقاف من نهار تيتم و توفيت والدته، مرورا بانتقاله إلى بيت جده الغني، ثم تمرده على جده لينطلق في رحلة فكرية طويلة بين شخصيات نسائية و شخصيات سياسية و ثقافية مختلفة.
سيد الراوي: الفكر الأزهري في مواجهة العقل
سيد الراوي ممكن نعتابروها الشخصية الأبرز في الرواية و لي غاتدفع بالشخصية الرئيسية (جعفر سيد الراوي) نحو التمرد، فسيد راوي هو نموذج الجد فاحش الثراء لي من بعد ما تعب و شقي في بناء ثروته، تفرغ لممارسة طقوسه الدينية، و فتح بيته للوعاظ و العلماء الأزهريين و لسهرات المديح و الذكر..
سيد الراوي يمثل في الرواية رمزية كبيرة هي المقدس و سطوته بكل تمثلاته، الفكر الديني بكل ما يحمله من سرديات، و قد اختار نجيب محفوظ اسم “سيد الراوي” تحديدا كرمز لسلطة عليا تقدم سرديات مسلم بها و إجابات جاهزة دون حق نقدها، و قد اعتبر البعض أن رواية قلب الليل ما هي إلا تجسيد لقصة خروج آدم من الجنة على غرار رواية أولاد حارتنا، و لذلك تم منع عرض النسخة السينمائية من الرواية .
علاقة الجد بالحفيد: التمرد على المقدس
نشأ جعفر الراوي في منزل جده بعد وفاة والده، و الطفولة و المراهقة لي دوزها جعفر مع جده وخا كانت حياة رفاهية إلا أنها لم تكن خالية من الصرامة على المستوى التعليمي، فقد كان سيد الراوي حريصا على تلقي حفيده العلم الشرعي لدرجة حرمان جعفر من أن يعيش طفولة طبيعية.
تدريجيا جعفر غايولي يزور حارته القديمة لي تزاد فيها و غايبدا يتلقى صاحبه القديم محمد شكرون، المغني لي غيفتح عينين جعفر على مظاهر اجتماعية ما ولفهاش أثناء نشأته في بيت جده بحال الفن و الطرب، فجأة الفن يأسر قلب و عقل جعفر و غايكون الطرب هو مصدر دهشة حسية عند جعفر، غايكتشف سحر الفن و الغريب أن الفن هو أول حاجة غاتخلي صورة سيد جعفر الراوي كمقدس تبدى تنهار، و كأنه يقول الفن لا يعترف بالمقدس لأن الفن توأم الحرية.
لكن رغبة جعفر في أن يصبح مطربا لم تكن المعول التي حطمت تمثال سيد الراوي، إنما الحب و الرغبة في التحرر و في اكتشاف الوجه الآخر للعقل و الحياة..
“یا عقلي المقدس، لماذا تخليت عني؟ ” جعفر سيد الراوي و محنة العقل.
بعدما طرد جعفر الراوي من جنة جده سيد الراوي، كتبدا رحلة جعفر الفكرية بين شخصيات نسائية سيكون لها أثر كبير على شخصيته و مذاهب فكرية و سياسية ينتقل بينها عقل الراوي باحثا عن الحرية، حرية العقل و الجسد..
سيدرس جعفر القانون بعدها وسيعتزل لمزيد من القراءة و كتابة ما توصل إليه من نظريات فلسفية، ظنا منه أنه وصل لحقيقة الوجود و العقل و الحرية…لكن الإجابة غاتكون هي جنون جعفر و تحوله لمتشرد أحمق يسفسط، و كأن قمة الحرية و التعقل هي تجاوز العقل، و كأن العقل سجن الإنسان الذي لن يتحرر إلا بتحرره من عقله، و هذا يعني أن السعي نحو الحرية هو سعي بائس لأن الحرية المطلقة وهم، ليختم جعفر الراوي بقوله: لتمتلئ الحياة بالجنون المقدس حتى النفس الأخير.







