هناك مثل شعبي متداول يقول إن المغاربة يخافون البحر والعافية والمخزن، وكلمة المخزن فيها إحالة على كل ما يرمز للسلطة، بما فيها الأمن والقضاء الذي يحتفظ له جزء كبير من المغاربة بذكريات سيئة زادت من حدتها ملفات ثقيلة تحولت إلى مادة دسمة لمدة من الزمن قبل أن تنتهي بطرق غريبة.
ما يجعل المغاربة يخافون من المخزن، الذي يقترن لديهم أيضا بالقضاء، هو كون هذا الأخير تحول في خصوصية مغربية يتقاسمها مع بضع الدول إلى سيف ذو حدين يمكن أن ينقلب عن دوره، ويتحول من أداة لإنصاف الضحايا إلى أداة للظلم، كما أن القانون قد يتحول من وسيلة للإنصاف إلى آداة تستغل في تحقيق أهداف لا علاقة لها بالمبدأ العام الذي وضعت من اجله القوانين.
على امتداد العقود الماضية سجلت الدوائر الأمنية والمحاكم المغربية سلسلة من القضايا التي اندرج بعضها في خانة الفضائح والتي كشفت بشكل ملموس أن ميزان العدالة ببلادنا كان ولازال مائلا، قبل أن ينخرط المغرب في ورش إصلاح العدالة الذي يصطدم في كل مرة بحائط صلب ما يؤشر على أن تحقيق هذا الحلم سيستغرق وقتا قد يطول كثيرا رغم المتغيرات الدستورية.
واقع تترجمه سلسلة من الأحداث والوقائع التي تحولت إلى قضية رأي عام، واستهلكت الكثير من النقاش والتناول الإعلامي، ورغم ذلك ظلت منقوصة وتحمل بين طياتها مناطق ظل كثيرة لفها النسيان إما بحسن نية، أوعن قصد متعمد، بعد أن راهنت أطرافها على الذاكرة القصيرة التي تجعل قضية من الوزن الثقيل مجرد خبر عابر، ونقاش في المقاهي ينتهي مع مرور الوقت، وهو ما تأكد بعد أن استنسخت قضايا تتعلق بجرائم المال العام لتعيد إلى الأذهان قضايا مماثلة استنزفت فيها الملايير من أموال المغاربة.
كما أن الأمر لا يقتصر على ملفات دخلت الى الأرشيف بل هناك العديد من القضايا سكنت داخل أروقة المحاكم ومرت عليها السنوات دون أن تصدر فيها أحكام سواء بالإدانة أو البراءة بدعوى الإجراءات المسطرية المتعلقة بكل ملف، غير أن هذا الحديث يخفي ورائه حقيقة أن القانون وفق اعتقاد البعض وضع من أجل خرقه من خلال الالتفاف على النصوص، وصنع ثقوب في الملفات تجعها تغرق في أرشيفات المحاكم و التأجيلات المتتالية.
المتغيرات التي جاءت بها التعديلات الدستورية جعلت المغاربة يأملون في أن تطوي صفحة سوداء ميزت القضاء، بشكل يجعل أي متقاض يؤمن بأن البت في الملفات يتم وفق منطق “أنت وزهرك”، خاصة بعد الحكم الذي صدر في عدة ملفات ترتبط بمسؤولين ومنتخبين، ومنها الملف الذي قضى بإدانة نائب برلماني بسنة سجنا نافذا بعد أن نجح في وقت سابق في حفظ الملف بطريقة مريبة وتمكن من البقاء بعيدا عن المتابعة لسنتين ما مكنه من الترشح للانتخابات التشريعية والفوز بمقعد برلماني.
إلى جانب ذلك، هناك ملفات ضخمة تابعها المغاربة مثل مسلسل متعدد الحلقات وألهتهم لشهور طويلة قبل أن يطويها النسيان ليصبح المجال مفتوحا للتعامل معها بشكل يسمح الوقت لأصحابها بالإفلات من العقاب والبقاء خارج أسوار السجن.
هدا الواقع شخصه بشكل واضح تقرير سابق صدر عن الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة “ترانسبرنسي”، وهو التقرير الذي وضع االأصبع على مكامن الخلل الذي استمرت لعقود وسمح بتكدس تراكمات جعلت الجهاز القضائي يتحول إلى حديقة خلفية يستعمل من قبل عدة جهات لتصريف الملفات بطريقة ابعد ما يكون عن مبدأ الفصل بين السلط الذي يعد عماد البناء الديمقراطي، وكذا مبادئ المساواة أمام القانون.
وأشار نفس التقرير إلى أن القضاء المغربي يواجه سلسلة من التحديات من بينها تحدي الاستقلالية بعد أن استعمل لتصفية الحسابات إضافة إلى التحدي الأخلاقي، فالفساد حسب نفس التقرير يطال قطاعات مختلفة في المغرب، إلا أن التصنيفات المقدمة من خلال التحريات والاستطلاعات المنجزة محليا، تظهر أن قطاع العدل يحتل الصدارة ضمن القطاعات التي تمسها آفة الفساد والرشوة.
أما التحدي الثالث هو تحدي الفعالية لأن الملفات تتراكم لدى المحاكم وذوو الحقوق ينتظرون زمنا طويلا من أجل نيلها، والأحكام الصادرة تجد أمامها حواجز حقيقية في التنفيذ، وخاصة تلك الصادرة ضد مؤسسات وإدارات عمومية، وهذا كله يؤدي إلى ضعف الثقة في القضاء كسبيل لاسترجاع الحقوق الضائعة وإنصاف المتقاضين، فيما يرتبط التحدي الثالث بالعصرنة أي الانتقال بالقضاء المغربي إلى مستوى التجاوب مع رياح التحديث والعولمة، وجعل الموارد المادية والبشرية قادرة على التفاعل والتجاوب مع العصر واستعمال الأدوات المستجدة وهي التحديات التي من شأن التغلب عليها أن يجعل القضاء محصنا.







