أحزنتني كثيرا صور ضمها فيديو قصير يظهر الوزير السابق والنقيب السابق محمد زيان وهو يترجل بصعوبة للولوج إلى المحكمة ثم يرجع إلى سيارة رسمية تمسك به أيادي شرطة ودرك بكثير من الاحترام والعطف. أعرف أن مناصري المرحوم والقائد النقابي نوبير الأموي لا زالوا يتذكرون زيان، محامي الحكومة، قبل أكثر من ثلاثة عقود وهو يهاجم الحركة النقابية ويدافع عن الوزير الأول السابق الراحل العراقي. ولا زالت صورة المعارضة الاتحادية ماثلة أمام عيني وهي تنسحب من جلسة البرلمان حين يحاول زيان، بصفته وزير حقوق الإنسان، أخذ الكلمة أمام نواب الأمة. كان هذا في وقت تم فيه صنع قوة، من لا شيء، لتصبح فريقا برلمانيا يستحوذ على أكثر من ثمانين مقعدا بقدرة إدريس البصري على صنع الخوارق السياسية من العدم. ولم يمر وقت طويل حتى تراجع الإتحاد الدستوري بشكل سريع إلى وراء التشكيلات المصطنعة وتلك التي ستصنع لاحقا. ولكن ما وصل إليه محام الحكومة أمر محزن. لن اقارن هذا المشهد بمن واجهته سلطة القضاء بتهم تتعلق باختلاس الملايير أو باستغلال سلطة في مجال تدبير ملفات تهم تدبير المال العام.
النقيب زيان كان صاحب تجربة سياسية شيوعية في حزب الراحل علي يعته. سمي هذا الحزب بعد الاستقلال بحزب التحرر والاشتراكية قبل أن يصبح اسمه حزب التقدم والاشتراكية. كان هذا الحزب اقلية ولا زال كذلك على المستويات العمالية والطلابية والثقافية رغم كونه قد ضم في السابق أساتذة جامعيين من العيار الثقيل أمثال عزيز بلال والدكتور الشكيلي والعياشي والمستشار الملكي الراحل إدريس السلاوي وغيرهم.
خرج المحامي زيان من هذا الحزب في ظروف وصفها بعض السياسيين بالصعبة جدا من الناحية النفسية. ولكنه عاد من جديد إلى الساحة السياسية عبر بوابة الإتحاد الدستوري الذي رفع شعار ” الليبرالية ” رغم كون قياداته تربت وترعرعت في خيمة الاشتراكية. وكان زعيم هذه المؤسسة الليبرالية هو إبن الإتحاد الوطني للقوات الشعبية الراحل المعطي بوعبيد الذي كان وزيرا أولا وخلفه عبد اللطيف السملالي الذي تولى حقيبة الشبيبة والرياضة في مرحلة إنجازات سعيد لعويطة ونوال المتوكل والفريق الوطني للكرة في مكسيكو 86. كان المحامي محمد زيان في قمة عطاءه خلال هذه الفترة. ولمن لا يعرفون، فقد تصاهر الأستاذ زيان، في فترة سابقة، مع أكبر مستشاري الملك الراحل الحسن الثاني، رضا أكديره.
أسس الأستاذ، والنقيب السابق زيان ،بعد انفصاله عن الإتحاد الدستوري، حزبا ظل صغيرا إلى الآن رغم صورة الأسد التي تعلو شعاره. ظل هذا الحزب متواريا عن التواجد داخل المؤسسات إلى أن ظهر زعيم جديد، ومحام يافع وشاب وذو قدرة على الخطاب، وتولى قيادته بعد أن استقطبه زيان لعضويته. تبدلت الأحوال وحاول ” الأسد ” أن يخرج من العرين إلى السيطرة على الغاب. طويت مراحل إعادة الأسد إلى مكانه الطبيعي رغم الزئير المدوي. رفع الصوت من جديد ولكن القوة لم تجد سندا في مجتمع لا يعترف إلا بالبنيات ذات الثقافة المبنية على قواعد مأثورة. وهذه القواعد هي التي يجب أن تمحي صورة محام تقدم به السن ويشفع له تاريخه في الرجوع إلى بيته في مرحلة صعبة. أما ما نرى أو ما رأيناه فذلك رهين بزمان وحكم الله فيه أكبر.
صورة المعتقل زيان وضرورة الرجوع إلى البيت







