اليوم، ومع كل هذا العبث الكبير الذي تغرق فيه الحكومة الحالية، تأكد فعلا أن هناك أطرافا في الدولة ساهمت في إقناع وزير المالية السابق، محمد بنشعبون، بالاستسلام طوعا أمام جيوب المقاومة التي اشتكى منها علنا أمام البرلمانيين.
مناسبة هذا القول هو حديث حكومة أخنوش عن ضخ عشرات الملايير لإنقاذ عدد من المؤسسات العمومية المترنحة ماليا، هذا في وقت تواصل فيه سحب 500 درهم والتغطية الصحية عن آلاف الأسر الفقيرة.
الأمر ليس طارئا، أو سلوكا جديدا، فقد تعودنا أن يقوم بعض كبار المسؤولين بجر عدد من المؤسسات العمومية للحيط، وبعدها تتدخل الدولة “الحنونة” لتمويل العجز من جيوبنا، وأقصى عقاب يكون هو تعيين مسؤول جديد، طبعا مع تكليف القديم بمهمة أخرى بعد فترة من الراحة.
اليوم مرت أكثر من أربع سنوات على إشهار بنشعبون للائحة أولية للمؤسسات التي قال إنها ستخضع لعملية دمج أو حذف. القائمة تضمنت كلا من شركة الطرق السيارة بالمغرب، والمكتب الوطني للسكك الحديدية، والشركة الوطنية للنقل والوسائل اللوجيستيكية، وصندوق تمويل الطرق والوكالة الوطنية لتنمية الأنشطة اللوجيستيكية، مع حل عدد من وكالات التنمية.
بعيدا عن النوايا، يبدو أن الحكومة السابقة تلقت رسالة ب”حبس المرقة” وفرملة خطط إصلاح أو دمج أو حل بعض الهيئات الحكومية للحد من اعتمادها على ميزانية الدولة، فيما تكلفت الحكومة الحالية برمي هذه المقترحات في مكب النفايات.
لقد كان وزير المالية السابق محمد بوسعيد أكثر جرأة من الجميع حين دعا للقطع مع منطق “الجزر المعزولة” والضيعات التي تُدبر بها مؤسسات عملاقة، بميزانيات ضخمة لكنها تجر وراءها ديونا توازي نسبة مخيفة من الناتج الخام، وذلك حين قال “نتوما غرقوها ديون ووحلوها فينا”.
والأكيد أن بنشعبون حين تحدث عن “جيوب المقاومة” كان يدرك أن خطة الإصلاح التي جاء بها تنطوي على محاولة هدم “عش دبابير عملاق” يتحكم في آلاف المليارات من أموال الدولة والمغاربة.
عُش يضم أسماء خالدة، بعلاقات ومصالح متشعبة، وبرواتب وتعويضات تتجاوز بكثير أجور رؤساء دول، في وقت تغرق فيه البلاد في الديون، وتبيع فيه الحكومة المستشفيات والجامعات بدعوى “التمويلات المبتكرة”.
بنشعبون تحدث حينها بشكل صريح عن وجود عرقلة لعملية إصلاح القطاع العام ضمن الخطة التي أُعلنت بعد خطاب العرش قبل أن يصبح بنشعبون سفيرا باهتا في باريس.
ولأنه سقط بمظلة تقنوقراطية، تناسى بنشعبون أنه أطلق تحذيره في الوقت الميت، ووسط تسخينات الاستحقاق التشريعي، ومعركة كسر العظام التي كانت تدور داخل حكومة العثماني.
لقد كان الرجل متحررا من الضغط الانتخابي وهو يقول “يجب أن تكون لدينا قناعة بأن هذا الإجراء لصالح البلاد ولابد من تفعيله… وإذا كانت هناك مؤسسات يتعين حذفها فلا بد من فعل ذلك، لأنها إما لم تعد صالحة، أو أن مهمتها انقضت ولازالت قائمة وتتلقى الأموال من الدولة”.
وزير المال السابق ختم شكواه بالقول “الإصلاح يجب أن يتم.. وإذا لم ينجز في هذه المناسبة أي ما بعد كورونا فلن يتم لأننا أمام مناسبة تاريخية، ولدينا توجه واضح للملك وحاجة ماسة لكي يوجه كل درهم نحتاجه للغاية المحددة”.
لكن كلام الرجل ذهب في واد، واليوم نعاين كيف تتجه عدد من المؤسسات يوما بعد يوم نحو الحيط وبسرعة كبيرة كما هو حال المكتب الوطني للماء والكهرباء ومكتب المطارات واللائحة طويلة.
واضح إذن أن الحكومات توظف الفرامل في الإصلاحات التي تمس مصالح الكبار، لكنها تُفرط في السرعة كلما تعلق الأمر بقرارات لا شعبية، تجعل البسطاء وعموم المغاربة يدفعون ثمن فشل السياسات العمومية، واستمرار الفساد وانعدام الحكامة والمحاسبة.
اللافت أن بنشعبون الذي كان يستعد لفرض ريجيم قاسٍ على الدولة، وتخليص ميزانيتها من ريع مؤسسات زائدة، هو من يقوم اليوم بضخ أموال ضخمة من صندوق محمد السادس للاستثمار في فنادق شبه مُفلسة.
“فهم تسطا”.







