لم نسمع حتى الآن أي تعليق حكومي حول محاولة آلاف الشبان المغاربة “الهروب” تحت جنح الضباب، بعد أن طارت وعود أخنوش بخلق مليون فرصة شغل. وصرنا نسمع وزيرة تبرر استيراد ملايين الأطنان من “الروايض” المستعملة لفائدة لوبي “السيما” بخلق فرص الشغل.
لقد عانينا سابقًا من حالات “حريك” لعدد من الرياضيين. حدث هذا دون أن يطرح من يهمهم الأمر سؤالًا صغيرًا، ولو من باب رفع الحرج، عن السبب الذي يدفع هؤلاء للفرار من بلدهم في أول فرصة تتاح لهم.
هذه الحمى ليست محصورة في منطقة أو شريحة معينة، أو لدى الرياضيين، بل تحولت إلى هوس لدى عشرات الآلاف من الشبان المغاربة، وفقًا لما كشفته تقارير رسمية.
الأمر لم يعد محرجًا للحكومة التي تتفرج فقط فيما يحدث، بعد أن سبق لوزير الداخلية أن انتقد بشدة التعامل مع “الرغبة في الحريك كحق طبيعي لكل من ضاق به العيش فوق أرض بلده”، دون طرح البديل.
لن نغطي الشمس بالغربال، لأن الأمل في حدوث تغيير وتنمية يكون أساسها المواطن أصبح يتبدد بسرعة لدى شريحة واسعة.
كما أن أجواء الاستياء والغضب أصبحت توحد المغاربة في ظل حكومة يرأسها ملياردير يسمن ثروته بأرباح المازوط، بعد أن اشترى صمت مجلس المنافسة بغرامة لا تختلف كثيرًا عن غرامة الكباريهات.
المغاربة اليوم يعانون في صمت، في زمن الغلاء، لضمان العيش بالحد الأدنى من الكرامة. وفوق ذلك، يجابهون بخدمات عمومية تقدم بمنطق الصدقة، وبمسؤولين فاسدين ومستهترين تكفي وجوههم التي عمرت طويلًا للتأكيد على أننا نعيش حال نكوص غير مسبوق.
انسداد الأفق الاجتماعي الذي يغذي موجات “الحريك” هو نتيجة حتمية للعبث السياسي الذي غرقت فيه البلاد، والذي تكرس بوضوح خلال التسخينات التي سبقت الانتخابات.
كما أن الكفر بالوطن الذي يستقطب آلاف “الحراكة” هو مرض اجتماعي خطير، وأسبابه كثيرة وعديدة. أبسطها النفاق الرسمي الذي يتعامل مع الجالية بحب كبير ومصطنع، متناسيا أن آلاف المهاجرين الذين يعودون صيفًا ركبوا في وقت سابق قوارب الموت بحثًا عن الحياة والكرامة في الضفة الأخرى.
الخطير أن موجة الهروب لم تعد حكرًا على أبناء الطبقة الفقيرة، بل امتدت العدوى لشريحة لم تكن تفكر إطلاقًا في الرحيل لبدء حياة جديدة بعيدًا عن التوتر والقلق الذي أصبح يزحف في كل اتجاه. شريحة اقتنعت بأن هناك عطبا عميقًا في آليات اشتغال الدولة، وبأن كل المؤشرات تسير في اتجاه أن هذا العطب لن يصلح في المنظور القريب. والدليل أن فرار المئات وارتمائهم في مقابر البحر لم يحرك ساكنًا لدى المسؤولين المغاربة، وكأنهم يقولون في قرارة أنفسهم: “لي ما عجبوش الحال يخوي لبلاد”.
والواقع أن حبر التمني جف بالنسبة للكثيرين، كما قالت حياة بلقاسم، تلك الشابة التي أنهت رصاصة حلمها بالهجرة. كلمات تحولت لقناعة جماعية، بعد أن عادت حمى “الحريك” إلى أوجها، وصار الآلاف يتزاحمون ويطرقون جميع الأبواب بحثًا عن فرصة للهرب من بلد توجد فيه جميع العوامل المحفزة على اليأس، وقتل ما تبقى من أمل بعيدًا عن اتهامات التبخيس والعدمية.
حمى “الحريك” لم تعد محصورة على القوارب، بل إن آلافًا اختاروا أن يرحلوا بدورهم. من هؤلاء دكاترة ومهندسون وكفاءات فضلت أن تعيش ما تبقى من حياتها بعيدًا عن العبث والبؤس وهدر الزمن الذي نكرسه، والذي يأبى السياسيون إلا أن يضيفوا إليه فصولًا جديدة في كل مرة.
عدد من الدول ذات الإمكانيات المحدودة واجهت عيوبها في المرآة، ونجحت في وضع الخطوة الأولى نحو التغيير، وتحقيق النمو، والإقلاع المنشود. أما نحن، فلا زلنا غارقين في التردد والريع والانتهازية والفساد، والنفاق السياسي الذي يجعلنا نتقدم خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء.
اليوم، لم يعد البحر المتوسط وحده من يستحق لقب المقبرة، بل صار للمحيط الأطلسي بدوره نصيب وافر من جثث الهاربين من الفقر والبطالة، بعد أن أصبحت قوارب الموت تنطلق اليوم من معظم المدن الساحلية.
لقد كنا نتوقع أن سيل هذه الفواجع كافٍ لخلق نقاش عمومي كفيل بطرد سحب اليأس. يأس تغول في نفوس الكثيرين ممن أيقنوا أن الوطن تنكر لهم، ليفقدوا الأمل في حدوث تغيير ينعكس على واقع الناس في بلد قال البنك الدولي إنه متخلف عن أوروبا بأربعة قرون، فيما لا يبعد عنها سوى بأربعة عشرة كيلومترًا.
حمى “الحريك”، الذي قال وزير الداخلية إنه “ليس حلاً” دون طرح البديل، صارت تتفاقم بحدة. اليوم، أصبحنا في بلد نسبة كبيرة من مواطنيه يحلمون بهروب جماعي حتى ولو كان ثمنه الموت أو البداية من الصفر.
هروب يفضل المسؤولون التعامل معه كـ”هجرة سرية”، دون أن يطرحوا سؤالًا حول مما يهرب هؤلاء؟







