في خضم الغلاء المتزايد وارتفاع تكاليف المعيشة، لا يكاد تمر يوم دون أن يثير حديث الخوصصة في المغرب ضجة في الأوساط السياسية والاجتماعية. حكومة الملياردير عزيز أخنوش لم تخفِ عزيمتها على توسيع نطاق الخوصصة، بما في ذلك القطاع الصحي، وهو ما يثير مخاوف كبيرة حول المصالح التي تتنافس في هذا المجال الحساس، وما يمكن أن يترتب عن ذلك من تداعيات على صحة المواطن المغربي.
خوصصة أم غطاء اجتماعي
منذ توليها السلطة، برزت ملامح واضحة لاستراتيجية “الخوصصة” في تدبير القطاع الصحي، حيث بدأت وزارة الصحة في تفويت أصول المستشفيات العمومية إلى القطاع الخاص. واعتبرت الحكومة هذه العمليات “تمويلات مبتكرة”، مما يعني أن المستثمرين سيكونون قادرين على استغلال أملاك الدولة وتحقيق عائدات مالية لصالح الميزانية العمومية. ومع ذلك، فإن هذا التوجه يضع صحة المواطن بين أيدي “لوبي المال”، مما أثار مخاوف واسعة لدى الفئات الضعيفة.
أكديطال: النمو السريع والتساؤلات المحيطة به
تعد مجموعة “أكديطال” من أبرز اللاعبين في هذا المجال. منذ تأسيسها في 2011، نمت بشكل قياسي، حيث انتقل رقم معاملات المجموعة من مبالغ بسيطة إلى 507 مليون درهم في الربع الثالث من عام 2023، بزيادة مذهلة بلغت 91%. لكن ماذا عن المواطن الذي يحتاج إلى الرعاية الصحية؟ تتعالى الأصوات التي تشير إلى أن هذه الزيادة في الأرباح قد تكون على حساب جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
المستشفيات العمومية في خطر
يأتي كل ذلك في ظل تراجع واضح لعدد الأسرة في المستشفيات العمومية، الذي انخفض بنسبة 1% بين 2017 و2022. في المقابل، شهدت العيادات الخاصة زيادة بنسبة 50% في عدد الأسرة. وهو التفاوت اذي أثار القلق، خاصة وأن الكثير من المواطنين باتوا يجدون أنفسهم غير قادرين على تحمل تكاليف الرعاية الصحية الخاصة.
التداخل بين المال والسياسة
مع تعيين ياسمينة بادو، وزيرة الصحة السابقة، كمديرة مستقلة في مجموعة “أكديطال”، تنفتح أبواب جديدة للاستفهامات، بعد أن عادت الى الواجهة الاتهامات السابقة حول اختلالات مالية وشبهات فساد أثناء فترة توليها منصب وزيرة للصحة. فهل ستكون هذه الخطوة بمثابة إنقاذ للمجموعة، أم أنها ستعكس تزايد النفوذ المالي على القرار السياسي؟
الصوت الشعبي والحقوقي
يعتقد الكثيرون أن الحكومة يجب أن تعيد تقييم سياساتها في مجال الصحة، لضمان عدم تحويل الخدمات الصحية إلى سلع تُباع وتشترى في سوق الاستثمار. إن الحفاظ على الصحة العامة يجب أن يكون أولوية، لا أن يصبح ضحية للصفقات والمصالح الخاصة.
ويؤكد حقوقيون، أن المطلوب الآن هو اطلاق حوار مجتمعي شامل يتجاوز الفجوات بين الحكومة والمواطنين، حيث يتعين على الحكومة تبني سياسات صحية تعكس احتياجات الشعب، وتجعل الرعاية الصحية حقًا للجميع، وليس مجرد فرصة للمستثمرين. إن ضمان صحة المواطن لا يمكن أن يكون مشروطًا بأرباح الشركات، بل هو جزء لا يتجزأ من بناء دولة اجتماعية قوية وقادرة على تلبية احتياجات كافة فئات المجتمع.







