تصريح وزير الخارجية المغربي الأخير لم يكن موفقًا، إذ أثار تساؤلات وغموضًا أكثر من تقديم الأجوبة والوضوح. ولن أقول شيئًا آخر خشية أن أُتهم بالتحامل عليه. فلا معرفة شخصية لي به، ولا تربطني به أي علاقة أو صلة أو سبب من أسباب التجريح بيننا.
بيد أن واجبنا والتزامنا ومسؤوليتنا في الدفاع عن القضية الوطنية من موقعنا المدني، على غرار ما يقوم به في عمله الرسمي، هو ما يدفعنا جميعًا للمساهمة والمشاركة في صيانة المركز المغربي ودعمه وتعزيزه. ولِمَ لا نؤسس بشكل تشاركي لتطوير هذا المركز من أجل تحقيق النقلة النوعية للتغيير وحسم الأمر.
ولهذا، أسمح لنفسي بأن أصحح للسيد وزير الخارجية المحترم بعض النواقص التي شابت تصريحه، درءًا لعدم فهمها بشكل خاطئ أو تأويلها تأويلاً لا يتناسب وحقيقة مبادرة المغرب بالحكم الذاتي. هذه المبادرة مستوفية لأركانها، ومبنية على القانون الدولي والتجارب الدولية، ومؤيدة بشرعية قانونية وتأكيد قضائي. وهنا أستدرك مكان السيد الوزير:
**أولاً:** مبادرة المغرب بالحكم الذاتي ليست مجرد تعبير عن النوايا أو وعد عام، بل هي مشروع متكامل يحتوي منذ إعدادها وتقديمها للأمين العام السابق، السيد بان كي مون، في أبريل 2007 على جميع العناصر اللازمة للعرض والمرافعات القوية والمقنعة. كما أنها ليست مشروطة بقبول الأطراف الأخرى أو رفع تحفظاتها.
**ثانيًا:** استخدم السيد وزير الخارجية تعابير فلسفية في تصريحه الذي أعقب لقاءه مع نظيره الإستوني، مثل قوله إن المبادرة هي “الوصول وليس البداية”، وأشار إلى ما سماه “الخطوط الحمراء” وغير ذلك من المجالات.
كان من الأجدر بالسيد وزير الخارجية، كدبلوماسي، أن يعتمد على الوضوح بدل التعابير المبهمة والغامضة التي قد تعقد الأمور عليه وتفتح المجال لتأويلات ضد المغرب. وهذا قد يلحق ضررًا كبيرًا بالمركز المغربي.
**ثالثًا:** مبادرة المغرب بالحكم الذاتي هي مشروع سياسي متكامل في التصور النظري، وقابلة للتنفيذ والتطبيق الفوري على أرض الواقع.
**رابعًا:** تشكل مبادرة المغرب بالحكم الذاتي في الوقت نفسه أرضية مثالية للتفاوض والنقاش والمباحثات مع الأطراف الأخرى من أجل تطويرها، بشرط بقاء الصحراء داخل سيادة المغرب.
**خامسًا:** قوة المغرب الواضحة والعظيمة تتجلى في مضمون هذه المبادرة، حيث يُعبّر عن مرونته وانفتاحه بقبول تطويرها عبر المفاوضات، بشرط إنهاء النزاع.
**سادسًا:** ما سماه السيد وزير الخارجية بـ”الخطوط الحمراء”، والمتعلقة بعلاقة الإقليم بالمغرب والسلطة المركزية، يرتبط بمظاهر السيادة التي تُبقي الإقليم تحت سيادة المغرب في جميع الأحوال. وهذه الجوانب منصوص عليها في المبادرة ذاتها، ولا تعتمد على الآخرين.
**سابعًا:** حدود وأقصى ما يمكن الوصول إليه في تطوير المبادرة عبّر عنه جلالة الملك في خطاباته السامية باستخدام “اللاءات”. وهي تذكير من جلالة الملك بمضمون المبادرة وحدودها فقط. أي أن هذه الضوابط مستمدة من صميم مضمون المبادرة نفسها، خلافًا لما ذهب إليه السيد الوزير.
حظ موفق.
*محامٍ بمكناس
خبير في القانون الدولي، قضايا الهجرة ونزاع الصحراء
الرئيس العام لأكاديمية التفكير الاستراتيجي – درعة/تافيلالت*







