كشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2023-2024 عن مجموعة من النقائص التي تعيق تحقيق كفاءة الإنفاق العمومي في المغرب، مؤكداً الحاجة الملحة لإصلاحات جوهرية لتجاوز الاختلالات الحالية التي تحد من فعالية الاستثمارات العمومية.
وأوضح التقرير أن تدبير الاستثمار العمومي يعاني من إشكالات متعددة تبدأ من مراحل التخطيط والدراسات الأولية، حيث لوحظ غياب الدقة في تحديد الحاجيات وتصنيف الأولويات، إلى جانب عدم واقعية مخرجات الدراسات القبلية أو غيابها تماماً. هذه الثغرات، بحسب التقرير، تؤدي إلى برمجة مشاريع عمومية دون التأكد من توفر الأوعية العقارية المناسبة، ما ينتج عنه تأخر في التنفيذ وتعثر عدد من المشاريع.
وأشار المجلس إلى أن هذه الإشكالات تتفاقم بسبب ضعف الحكامة، خاصة فيما يتعلق بالقيادة والتنسيق بين الأطراف المعنية بتنفيذ البرامج والمشاريع العمومية. كما سجل التقرير محدودية القدرات التدبيرية للأجهزة العمومية، خصوصاً على المستوى الترابي، مما يؤدي إلى هدر الموارد وإضعاف أثر الاستثمارات على الاقتصاد والمجتمع.
ودعا التقرير إلى اعتماد منهجية جديدة قائمة على نتائج مدروسة مسبقاً، وذلك عبر تحسين آليات الاستهداف وبرمجة المشاريع وفق مؤشرات دقيقة وموضوعية. كما شدد على ضرورة تعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين، مع تنظيم وتتبع عمليات التنفيذ بانتظام لضمان تحقيق الأهداف المرجوة من هذه الاستثمارات.
وفي السياق نفسه، أوصى المجلس بترسيخ ثقافة تدبير عمومي تعتمد على النتائج بدل التدبير التقليدي المرتكز على الوسائل فقط. كما أكد أهمية الاستثمار الأمثل للموارد البشرية والمادية المتاحة، مع ضرورة إشراك الأطراف المعنية في جميع مراحل تنفيذ المشاريع، من التخطيط إلى التقييم، لضمان الاستفادة من التجارب السابقة وتجنب تكرار الأخطاء.
ويرى المجلس أن هذه الإصلاحات أصبحت ضرورة ملحة في ظل تزايد الحاجيات وتعدد التحديات الاقتصادية والاجتماعية، مشيراً إلى أن تعزيز كفاءة الإنفاق العمومي يعتبر أحد الركائز الأساسية لتحسين الأداء المالي للدولة وتحقيق التنمية المستدامة في المغرب.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن كفاءة الإنفاق العمومي لا تتعلق فقط بخفض التكاليف أو تحسين توزيع الموارد، بل تمتد إلى تعزيز الشفافية والمساءلة وإيجاد حلول مبتكرة لتمويل المشاريع العمومية، بما ينسجم مع طموحات التنمية الوطنية ويستجيب لتطلعات المواطنين.







