من المحروقات إلى المواد الغذائية والطبية وغيرها، بات المغرب يواجه أزمة حقيقية على مستوى مخزونه الاستراتيجي، بشكل يجعل الصدمات الخارحية تربك الحسابات المالية اليومي للمستهلك، في سياق يتميز باستغلال اللوبيات الاقتصادية لهذه التقلبات لتحقيق أرباح كبيرة.
وعلى هذا الأساس، نعيش بشكل دوري تقلبات أسعار المحروقات، لاسيما عندما تذهب الأسعار الدولية نحو الارتفاع، بينما لا ينعكس ذلك بشكل جدي عندما تنخفض، وهو وضع صدرت بشأنه العديد من التقارير من المؤسسة التشريعية ومجلس المنافسة، دون أن تتوفر لدى الحكومة الجرأة السياسية للتدخل.
ملايير الدعم
شركات المحروقات كانت ملزمة بإنجاز استثمارات تقدر بـ1.5 مليار درهم من أجل الرفع من قدرات تخزين المواد البترولية بنسبة تصل إلى 36 في المائة.
وتشير تفاصيل هذا الاتفاق، الذي يرقى إلى التزام مالي، لاسيما أن الحكومة قدمت دعما ماليا للشركات، إلى أن الأخيرة التزمت برفع قدرات تخزين ب400 ألف متر مكعب إضافية، غير أن الواقع اليوم يؤكد بأن الأمور ربما لم تجر وفق ما هو مسطر لها.
وتثير الوضعية الحالية تساؤلات مثيرة حول مصير الدعم الذي قدمته للدولة للشركات، إذ يتضح أن الأخيرة لا تتوفر على مخزون يمكنها من ضمان استقرار الاسعار خلال مدة شهر على الأقل، ما يؤدي إلى تغيير دوري للأسعار.
صفقة التخزين
عندما أبرمت حكومة عبد الإله بنكيران صفقة تحرير قطاع المحروقات مع الشركات البترولية، في سياق الأزمة التي تفجرت مع مالك شركة “سامبر”، كان هناك اتفاق على أن تعمل هذه الشركات على الرفع من قدراتها التخزينية، بما يجعل المملكة بعيدة عن التقلبات والصدمات الدولية.
اليوم مرت حوالي 10 سنوات على القرار، لكننا لازلنا في نفس الوضعية. فالمخزون الاستراتيجي للمملكة يكفي فقط لحوالي 30 يوما، بينما يشترط القانون التوفر على مخزون يصل إلى 60 يوما. وهذا يعني أن الشركات، ورغم كل الأرباح الضخمة التي راكمتها خلال السنوات الأخيرة، لم تساهم في تعزيز هذا المخزون.
لكن دعونا نفكك ما يقع اليوم. سنعود بالضبط إلى 15 أبريل 2022، حيث عقدت ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، لقاء صحفيا كان من بين مواضيعه مسألة المخزون الاستراتيجي. ففي الوقت الذي لم يتطور المخزون خلال السنوات الماضية، خرجت الوزيرة بتصريحات أشبه بالوعود تقول فيها إن الفاعلين في هذا القطاع سيستثمرون، بحلول سنة 2023، ما مجموعه 3 مليارات درهم لرفع قدرة تخزين الغاز الطبيعي المسال وغاز البوتان، و2 مليار درهم لزيادة قدرة تخزين الغازوال والبنزين.
في الواقع نحن أمام وعود وليس التزامات حقيقية. ذلك أن الحكومة لو تحلت بقليل من الشجاعة، لفرضت على هذه الشركات، التي تراكم أرباحا طائلة من جيوب المغاربة ومن ميزانية الدولة أيضا من خلال تزويد الإدارات العمومية بالغازوال والبنزين، أن تخصص جزء من هذه الأرباح لتعزيز المخزون الاستراتيجي.
بطبيعة الحال لن نتحدث عن ملف “سامير”، الذي يبدو أن الحكومة لا ترغب في الانخراط فيه بالجدية اللازمة، وإلا لكان بالإمكان أن يتم اكتراء خزانات هذه الشركة لنتفادى هذا التهديد اليوم بارتفاع الأسعار. لكن مادام أن الشركات هي التي تتحكم في الوضع، فإنها أصبحت هي الموجه الرئيسي لما يجري في البلاد..تضع الأرباح التي تشاء، وتحدد تركيبة الأسعار كما تشاء.
صمت حكومي
وكان عبد الله بووانو رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، قد طالب الحكومة بالكشف عن مصير إرساء منظومة متكاملة لتشكيل مخزون استراتيجي للمحروقات.
جاء ذلك ضمن سؤال كتابي وجهه رئيس المجموعة النيابية، إلى وزارة الاقتصاد والمالية، حيث أفاد بأن الوزيرة المعنية بالقطاع، كانت قد كشفت في جوابها رقم 94/2022، بتاريخ 28 دجنبر 2022، على السؤال الكتابي رقم 6201 المتعلق بارتفاع أسعار المحروقات في السوق الوطنية رغم انخفاضها في السوق الدولية، أن الحكومة ستقوم بعدة إجراءات على المدى القريب والمتوسط لمعالجة هذه الوضعية.
وأوضح بووانو، أن الوزيرة أكدت أن “وضع منظومة متكاملة لتشكيل مخزون استراتيجي يتم اللجوء إليه في حالة الأزمات”، من بين الإجراءات التي تقوم بها الحكومة على المدى المتوسط، متسائلا “أين وصلت الحكومة في إرساء منظومة متكاملة لتشكيل مخزون استراتيجي للمحروقات؟”.
المهيمنون على التخزين
الاحتكار هو وجود شركة وحيدة تقوم بتوفير منتوج أو خدمة للمستهلكين، أو أنها تتوفر على نسبة مرتفعة من حصة السوق تجعلها في وضعية احتكار، وهي حالة غير موجودة في بلادنا من حيث الشكل..لكن إذا خضنا في التفاصيل، سنجد أنفسنا أمام ثلاثة شركات كبرى تستحوذ على هذا السوق، وبالتالي توجه الأسعار.
حسب تقرير لمجلس المنافسة حول قطاع المحروقات، يتبين أن 52 في المائة من الواردات المسجلة خلال الفترة الممتدة من 2018 إلى 2021، أنجزت من قبل ثلاثة فاعلين. ويتعلق الأمر بشركات. ويتعلق الأمر بشركات “أفريقيا” و”فيفو أنيرجي” وطوطال” وبلغت نسبة إجمالي واردات الشركات الثمانية الأولى الفاعلة في السوق، خلال الفترة ذاتها، حوالي 84.6 في المائة، بينما وصلت نسبة واردات الشركات السبعة عشرة الأخرى إلى 15.4 في المائة فقط من الحجم المستورد برسم 2021.
وترتبط حصص السوق هذه، من حيث الحجم، بقدرات التخزين التي يتوفر عليها الفاعلون المستوردون. في الواقع، استحوذت الشركات الثلاثة الكبرى على نسبة 52 في المائة من حجم الواردات المحققة في 2021. وتتوفر هذه الأخيرة على قدرات لتخزين الغازوال والبنزين على الصعيد الوطني تبلغ 51.6 في المائة. وظلت هذه العلاقة الترابطية بين قدرات التخزين وحجم الواردات مستقرة منذ سنة 2018 على الرغم من دخول فاعلين جدد ينجزون عمليات استيراد، على السوق (فاعلان دخلا السوق في 2018، و5 في 2020 و7 في 2021. ويمثل هؤلاء شركات صغيرة الحجم وتحقق نسب ضئيلة من حجم المبيعات (لا تتجاوز حصتها السوقية 1 في المائة).
في ذات السياق نبّه آخر تقرير للمجلس الأعلى للحسابات إلى أن المخزونات الاحتياطية من المنتجات البترولية ما زالت دون المستوى الذي حدّده القانون في 60 يوما من الاستهلاك، ذلك أنها لم تتجاوز 32 يوماً للغازوال، و37 يوماً للبنزين، و31 يوماً لغاز البوتان سنة 2023.
وقد كان من أبرز توصيات المجلس بهذا الخصوص التأكيد على ضرورة إتمام عملية نقل منشآت الطاقات المتجددة من المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب إلى الوكالة المغربية للطاقة المستدامة، وذلك لتسهيل إدارة هذه المنشآت وتعزيز الاستثمار في مجال الطاقات المتجددة.
وفي هذا السياق تم التشديد على ضرورة وضع آليات فعالة لتدبير ومراقبة المخزون الاحتياطي للمحروقات للتخفيف من آثار تقلبات أسعار المحروقات في السوق الدولية على الأسعار المحلية.







