أحلم بيوم يعي فيه الأمريكان ومن يدور في فلكهم من حلفائهم الغربيين بأن مصلحتهم تكمن في التقرب الإيجابي من العرب والمسلمين وفي مصادقتهم وإقامة شراكات متوازنة ونافعة معهم وليس في استغلال ضعفهم بإذلالهم وتقتيلهم وابتزازهم والتهكم من خصوصياتهم ودينهم ونبيهم وتراثهم مع الاستمرار في تبني كيان لقيط ارتبط إسمه في معظم الأذهان بالاحتلال والظلم والعدوان أساسا ولم يتمكن منذ تأسيسه قبل سبعين سنة ونيف من إنتاج ولو مفكر أو فيلسوف أو روائي أو موسيقار أو رياضي واحد بإشعاع عالمي. البيئة المحلية لا تسمح بهكذا تفوق بما أن كل ما بنته إسرائيل في ذلك الصقع من الشرق الأوسط لم يقم على أسس العدالة والمحبة والرغبة في التعايش بل قام على تزوير التاريخ والحقائق وعلى النهب والعنصرية والإبادة والتشريد وكل أصناف الشر. التميز الوحيد الذي يشهد به العالم بأسره هو قدرة هذا الكيان الرهيبة على تعبئة جيشه بهدف سفك الدماء ودك الحجر والشجر في حين أن عطاء اليهود الحقيقي عبر التاريخ، والذي لا يمكن تجاهل دوره في ازدهار الحضارة الإنسانية، كان من توقيع يهود الشتات.
أحلم بيوم يعي فيه يهود إسرائيل بأن استمرار غطرستهم وتوالي جرائمهم رهينان فقط باستمرار دعم الغرب لهم. لقد تم تسليحهم بأقذر الأسلحة ومنحوا الضوء الأخضر للتسديد والقصف في كل الاتجاهات دون تمييز وأعطيت لهم كل الضمانات حتى يظلوا دون عقاب فكان من الطبيعي أن يخلقوا الرعب ويتحولوا إلى أشرار في أعين كل المتضررين بالمنطقة وكل المتعاطفين مع القضية الفلسطينية حتى داخل تلك الدول التي تعتبر أمن الدولة العبرية من أمنها ( من المؤكد أن ذكرى انتفاضة الطلبة الأخيرة بالجامعات الأمريكية والتي عبروا من خلالها عن دعمهم لشعب فلسطين الصغير والمقهور مازالت حاضرة بالأذهان). إسرائيل تكاد تكون دويلة نكرة حتى في صفوف الدول المعترفة بوجودها، ولولا سلاح الغرب وأمواله وانحيازه الثابت واللا مشروط لهذا الورم السرطاني لما استطاع الصهاينة أن يصمدوا أمام جيرانهم المتعددين والكارهين لهم ولوجودهم ولو ليوم واحد ولما استمتعوا بنعمة النوم ولو لليلة واحدة. أما اليهود العقلاء الحكماء الذين لم ينساقوا وراء الأطروحة الصهيونية ولم يبرحوا أوطانهم الأصلية فيعلمون جيدا بأن “أرض الميعاد” مجرد وهم وبأن هذا الكيان المصطنع والنشاز مصيره الزوال إن عاجلا أو آجلا لأن الأحقاد لا تموت بسهولة. (من حسنات “طوفان الأقصى” وما أعقب هذه العملية من دمار ومجازر بقطاع غزة أن قرابة 24% من الإسرائيليين يفكرون جديا في الهجرة بعدما اتضح لهم بالملموس بأن السلام المنشود بعيد المنال بل ويكاد يكون مستحيلا وذلك استنادا إلى دراسة حديثة أنجزها مركز روبين الأكاديمي الإسرائيلي . حتى حل الدولتين لا يعتقد اليوم أكثر الإسرائليين اعتدالا وجنوحا للسلم بأنه سيكون قابلا للصمود على المدى البعيد.)
أحلم بيوم يدرك فيه الجميع بأن الله لم يخلقنا شعوبا وقبائل فقط لنتعارف بل ولنتكامل أيضا علميا واقتصاديا. ما أحوج المغاربة اليوم إلى القمح الروسي وما أحوج الروس إلى الأسماك والخضروات والفواكه المغربية. ما أحوج أوروبا الغربية إلى البترول والغاز العربيين وما أحوج العرب إلى التكنولوجيا الأوروبية. ما أحوج أمريكا الجنوبية إلى الاستثمارات الأمريكية الشمالية وما أحوج الولايات المتحدة الأمريكية وكندا إلى السواعد اللاتينية… هكذا يكون التكامل الاقتصادي الطبيعي، وكل إجراء يحول دون تحقيق هذا الهدف الحيوي ـ وخاصة على مستوى الحدود المشتركة ـ يتسبب حتما في الحرمان والخصاص وفي خسائر لا تحصى. هناك مناطق بأكملها تكاد تكون مصنفة ضمن المناطق المنكوبة وذلك بسبب الأجواء العدائية الذي خلقها السياسيون.
و قد يتخذ مفهوم التكامل أشكالا أخرى.فالسويسريون والاسكندنافيون على سبيل المثال لا يشك أحد في أنهم في وضع يسمح لهم بإعطائنا دروسا في المثابرة والكد وفي الانضباط المهني والإنتاج الخالي من الغش والتدليس وترتيب الأولويات والتمييز بين ما هو شخصي وما هو غير ذلك وكذلك في كيفية إتقان البناء وحسن التخطيط واحترام المواعيد وتشجيع الموهوبين والرفع من معنويات الفاشلين … ونحن في وضع يسمح لنا بتعليمهم حدود العقل وأفضل الطرق للحفاظ على الأواصر العائلية التي باندثارها يسقط واحد من أهم شروط السعادة على الأرض. سنشرح لهم أيضا فوائد الستر والحشمة والمقصود بالبركة وماء الوجه والعرض والشرف والمودة والرحمة بين الأزواج، بل وسنبين لهم أيضا كيف أن الدين ـ عند أهل السنة كما عند الشيعة والبهائيين والهندوس والسيخ والمورمون واليهود والنصارى الأرثوذكس وغيرهم ـ هو فن التعامل مع الكبت بكل أصنافه وبدونه من الطبيعي أن يتجرد الإنسان من إنسانيته… وسنذكرهم كذلك ـ قبل فوات الأوان ـ بأن الرجل رجل والمرأة امرأة وبأن اتهام الرجل بكونه زير نساء لا يضر برجولته وبأن اتهام المرأة بكونها سارقة أزواج لا ينقص من أنوثتها مادام أن قانون الطبيعة في باب التمييز بين الجنسين موضوع احترام وتنفيذ.
أحلم بيوم يكف فيه كل معسكر عن الازدراء بالمعسكر الآخر مع اعتبار نفسه الأقوى والأذكى والأعلم والأجدر بقيادة العالم وفرض رؤيته. فالشر كل الشر يبدأ عندما نعتبر أنفسنا أعلى قيمة من الآخرين، وخرجات دونالد ترامب الأخيرة تسير في هذا الاتجاه، ولذلك من غير المستبعد أن يستعيد قناة بنما ويسرق غريلاند من الدانمارك ويجعل من كندا الولاية الأمريكية رقم 51 وكل هذا في المستقبل المنظور مادام أن جذوة جنون العظمة لديه في أوج الاتقاد حاليا. وطبعا من كانت هذه هي مراميه على المديين القريب والمتوسط لن يزيد أوضاع العالم إلا تأزما.
أحلم بيوم يكون فيه لصناع القرار الأمريكيين ما يكفي من تبريرات منطقية لممارسة حق الردع وللتحرك لحماية حدود بلادهم بقصف طائراتهم وبوارجهم لكيانات سياسية أخرى تفصلها عنهم آلاف الكيلومترات في وقت يعلم فيه حتى الأميون بأن الولايات المتحدة الأمريكية تتقاسم حدودا برية حقيقية مع دولتي كندا والمكسيك لا غير. فهل الأمر هنا يتعلق بهاجس أمني مشروع أم هو فقط نوع من البارانوي؟
أحلم بيوم تستغل فيه الأموال المرصودة لتسليح الجيوش في مشاريع التنمية البشرية الحقيقية، ولكم أن تتصوروا مثلا ما يمكن لأي دولة أن تحققه من إنجازات بأموال طائرات إف 16 الأمريكية الحديثة (حوالي 20 مليون دولار للطائرة الواحدة، وهو مبلغ يؤدى في الغالب على سنوات ولا تتم الصفقة إلا برضا الكونغرس !!!!!).
أحلم بيوم يكف فيه العرب والمسلمون عن الدعاء للغرب واليهود بالفناء ولأولادهم فقط بالتفوق والنجاح ودوام الصحة والعافية. إذا كان هذا الدعاء صادقا حقا فكيف نفسر استمرار معانقة الكثير من شبابنا لحلم الاستقرار بأرض “الكفار” واستكمال دراساتهم بجامعاتهم … بل والتجنس بجنسياتهم والارتباط بشقراواتهم ؟ هل هذا هو المصير الذي يستحقه أسياد اليوم بعد كل ما أفرزته عقولهم ومختبراتهم العلمية على امتداد عشرات السنوات ؟ وهل هناك ما يثبت بأن كوكبنا سيصبح أكثر غنى وأكثر جمالا وأكثر أمانا في حال حصل هذا الفناء ؟ وهل نحن مؤهلون دون غيرنا لتسيد العالم بوضعه الجديد بالنظر إلى قيمة رصيدنا العلمي ومستوى أخلاقنا الحالي وحجم إنتاجنا ونوعيته ؟ كيف يمكن أن ننتظر من شعوبنا التقاط مشعل التفوق ونحن ضحية فساد متعدد الأبعاد وأنانية مفرطة وجشع مرضي وجهل مزمن وتخلف بنيوي ولا رغبة لنا حتي في الانتظام في طوابير سليمة للاستفادة من مختلف الخدمات ؟ إن اختلال موازين القوى على كل الأصعدة هو سبب مأساتنا المعاصرة ومن السذاجة التعويل على الكبار لعلاجه. فشيئا من النقد الذاتي من فضلكم يا أيها الأشقاء !
نعم، أحلم بكل هذا مثل الطفل الصغير الذي يرى العالم بنظارات عواطفه وبراءته ولا يفقه شيئا لا في الأمور الجيوسياسية ولا في الرهانات الاقتصادية والعسكرية الكبرى ولا علم له لا بالممرات الجغرافية الإستراتيجية ولا بالمخططات الجهنمية التي تحاك في الكواليس ولا بدواخل النفس البشرية وخاصة نفوس من يعود إليهم إعلان الحرب والسلم ولهم صلاحية الضغط على الزر النووي أو الامتناع عن ذلك … ولكنه يعلم ـ على الرغم من صغر سنه ـ بأن من يزرع الشوك لا يجني الأفوكادو.
أحلم بيوم..







