قبل أن يجف المداد الذي كُتبت به قرارات إعفاء 26 مديرًا إقليميًا دفعة واحدة، فضل الوزير برادة أن يُنهي المهمة التي جاء من أجلها، وهي قطف رأس الكاتب العام يونس السحيمي.
قرار التخلص من السحيمي في الواقع كان جاهزًا منذ الطرد الناعم لبنموسى من وزارة التربية الوطنية وترحيله نحو مندوبية التخطيط خلفًا للحليمي، وبالتالي فبنموسى والسحيمي تقاسما نفس التهمة لكن مع اختلاف العقاب.
بنموسى، وفق فهم أخنوش ومعه فوزي لقجع، ورّط الحكومة في أزمة الحراك وما تلاها من اتفاق بتحملات مالية ضخمة رضخت لها الحكومة مكرهة ليتم تصدير بنموسى خارج الوزارة ويحصل على منصب جديد.
حدث ذلك مع الاحتفاظ ببدعة “المدرسة الرائدة” التي جاء بها بنموسى لتفادي حرج التخلص منها كرضيعة حديثة الولادة، قبل أن يضيق صدر الحكومة لاحقًا بصبيب الملايير التي سيتعين عليها دفعها في كل مرة يجتمع فيها الكاتب العام مع النقابات لتزيل ما جاء في الاتفاق، ليكون الحل هو طرد السحيمي خارج الوزارة وإغلاق الصنبور.
سيناريو التخلص من السحيمي كُتب بعناية، وشاركت في ذلك عدد من الأيادي، لكن إخراجه كان سيئًا للغاية، وانفضح بعد الاستعانة بقفاز نقابي من خلال انسحاب مفتعل قامت به نقابة معصيد حين دخلت القاعة التي كان يجلس فيها السحيمي، وهي تخبئ في حقيبتها البلاغ الشهير الذي طالب برأسه.
البلاغ الذي سعى لمنح برادة الشرعية للتخلص من الرجل صدر دقائق فقط بعد الانسحاب، وقال إن السحيمي تجاوزته المرحلة وأن بقائه سينسف الحوار ويهدد المنظومة باحتقان جديد، وهو ما أعاد مضغه مصدر مجهول من الوزارة بعد إعفاء الكاتب العام، حين ربط الإطاحة بالسحيمي باختلاف في الرؤى مع الوزير وبكونه إجراءً تدبيريًا يُخوله له القانون.
والواقع أن ذنب السحيمي الوحيد هو محاولته تنزيل الاتفاق الذي وقعته الحكومة والوزارة مع النقابات التعليمية، والذي يسعى أخنوش حاليًا من خلال برادة لدحرجته ورميه في ملعب الحكومة المقبلة أمام أنظار نفس النقابة التي شاركت في سيناريو الانقلاب على الكاتب العام.
كما أن ذنبه هو الثقة في من باعه العجل داخل الوزارة قبل أن يجلس في مكتبه ليتفرج على الكاتب العام وهو يحزم حقائبه للرحيل بعد حياة قصيرة داخل الوزارة، عكس يوسف بلقاسمي.
السحيمي كان يعلم قبل مدة أن قرار الإعفاء جاهز وينتظر التوقيع فقط، لكن لا أحد كان يتوقع أن برادة سيقوم بإعدام الرجل إداريًا مستغلًا سلطته كوزير في الوقت الذي لا يزال فيه دخان إعفاءات المديرين الإقليميين ينبعث من وزارة باب الرواح.
السبب في كل هذا أن السي برادة انتقل للسرعة القصوى لأن الوقت لم يعد في صالح حزب التجمع الوطني للأحرار، ولهذا قرر أن يطرد السحيمي في خطوة سرعتها الخرجة التي قام بها نزار بركة الذي قصف أخنوش ونشر غسيل الإخفاقات الحكومية في مجال مواجهة الغلاء، والتلاعبات التي طالت أموال الدعم، علمًا أن بركة هو من دفع في اتجاه تعيين السحيمي في منصب الكاتب العام.
ذنب السحيمي أنه لم يتعامل بمنطق “القوالب” و”التشلهيب” والدسائس الذي يُفسر بقاء الحرس القديم بالوزارة، والذي فضل برادة توظيف بعض وجوهه في إصدار قرارات إعفاء كشفت أن التعليم صار ضيعة للوزير وحزبه.
اليوم، ومع إعفاء السحيمي، تبين أن المفتش العام بكل الظلال السوداء التي تلاحقه سيتحول إلى جرافة داخل الوزارة في خدمة الوزير.
المفتش العام الذي لبس قبعة الطبيب النفسي، خدمةً لبرادة، اعتمد على تقييم سيكولوجي لبعض المديرين الإقليميين استنادًا لما وصله في الواتساب، من قبيل أن هذا المدير عنيد، والآخر متساهل، والثالث له شخصية صدامية، وبالتالي كل ما قيل عن المدرسة الرائدة هو مجرد تغليف لمسح بصمات الوزير التجمعي، حتى لا تتضح اللعبة. ولهذا السبب قرر بعض ضحايا برادة وقضاض طرق باب القضاء.
كما قرر الوزير الذي سيزيد من الثقوب في سفينة التعليم العمومي الاحتفاظ بأضرضور كمدير الموارد البشرية دون تعيين رسمي، وهو المسؤول الذي زاد من تسميم العلاقة بين الوزير والسحيمي، رغم أن الرجل هو من دافع عنه من أجل استقدامه للوزارة على عهد بنموسى بعد انتهاء صلاحيته بأكاديمية الرباط.
كما دافع عليه للحصول على التمديدات بالأكاديمية ليحافظ على رجل هنا ورجل هناك، قبل أن ينقلب أضرضور عليه ويشرع في تسويد صفحته من خلال سلسلة من التسريبات والمقالات الموجهة.
اضرضور الذي تنكر لفضل الكاتب العام، وادعى أنه جاء للوزارة مسنودا من رئيس الحكومة، هو ذاته الذي ورط السحيمي في “خطيئة” الحوار مع ملحقي الإدارة والاقتصاد التي ركب عليها برادة، وقبل ذلك وضع يديه في يد نقابة معصيد من أجل صنع حفرة عملاقة تحت قدم السحيمي، ولهذا تابعنا تعيينات سخية لبعض المحسوبين على نقابة موخاريق بالتعليم كمكافأة حملت توقيع أضرضور.
برادة، الذي دخل الوزارة بسباطه كرجل أعمال ليس بينه وبين السياسة والتعليم إلا الخير والإحسان، والرجل ومعه هو وزير الصحة جاءا كمكلفين بمهمة طبخت في صالونات حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي صار يتحسس قفاه في كل مرة بفعل “التقرفيد” الذي يتلقاه من حلفائه مع اقتراب الانتخابات، ولهذا يسعى برادة لتسريع خطة الحزب لزرع محوسبين عليه في مناصب المسؤولية كحصاة في حذاء أي حكومة قد لا يرأسها… مع انتظار نتائج الانتخابات المقبلة.
اليوم، برادة ومن خلال إعفاء السحيمي، يقول لرجال ونساء التعليم… “صافي ماكاش فلوس” بلهجة الشرق مستغلاً واقع أن النقابات التعليمية لم يعد لها صدى، ولهذا السبب نعاين كيف أنها تركن للصمت بعد كل لقاء فارغ.
وتتهرب من الخروج ببلاغات إنشائية تكشف عورتها…
هذا إذا بقيت لها عورة.







