تتواصل بإقليم النواصر عملية هدم واسعة النطاق طالت العشرات من المستودعات العشوائية، أغلبها متمركز في المنطقة الصناعية “الحفاية” بالمكانسة الجنوبية التابعة لجماعة بوسكورة. لكن خلف الجرافات التي تزيل الهياكل المعدنية والبنايات المؤقتة، بدأت تتكشف معالم فضيحة ذات أبعاد قانونية وأمنية واقتصادية خطيرة، بعدما تبين أن هذه المستودعات كانت تضم أرشيفا ووثائق لمؤسسات بنكية وشركات كبرى، بعضها وطني وبعضها الآخر دولي.
مصادر مطلعة تحدثت عن العثور على كميات ضخمة من الوثائق الحساسة، من عقود وأرشيفات إدارية وتقارير مالية، مخزنة في فضاءات غير مؤهلة تقنيا أو قانونيا، وسط غياب كلي لأبسط شروط السلامة والاحتراز الأمني. “ما عُثر عليه داخل تلك الهنكارات ليس مجرد بضاعة مهربة أو مواد فاسدة كما جرت العادة، بل وثائق قد تحمل معلومات بالغة الحساسية”، تقول مصادر محلية، مشيرة إلى أن بعض الجهات سارعت إلى إفراغ مستودعاتها ونقل محتوياتها بمجرد توصلها بإشارات عن اقتراب حملات الهدم.
اللافت أن التحقيقات الأولية، حسب ما تسرب من معطيات، تشير إلى أن عددا من هذه المستودعات كانت تستغل من طرف منتخبين محليين وبرلمانيين، إلى جانب مقاولين ومسؤولين في مؤسسات بنكية وشركات كبرى. ومع أن عمليات التوسعة العمرانية والصناعية في جماعة بوسكورة جعلت من هذه المناطق ملاذا مؤقتا لتخزين البضائع، إلا أن تغاضي السلطات لسنوات عن نشاط هذه “الهنكارات” حولها إلى شبكة معقدة من المصالح المتشابكة، وفتح باب التأويلات حول وجود تواطؤ أو تقاعس متعمد في المراقبة.
المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد دخلت على خط القضية، مؤكدة أن ما جرى “يتجاوز مجرد خرق إداري، ويكشف عن استغلال غير مشروع لمرافق عشوائية من طرف جهات نافذة”، داعية إلى فتح تحقيق قضائي شامل يُفضي إلى تحديد المسؤوليات، سواء لدى المستغلين أو لدى من يفترض أنهم أوكلوا بمهمة المراقبة.
البيان الصادر عن المنظمة وصف الواقعة بـ”الفضيحة”، مشددا على أن استمرار مثل هذه الممارسات يهدد الأمن المعلوماتي للمؤسسات، ويكرس منطق الإفلات من العقاب.
وفي وقت تواصل فيه السلطات بقيادة عامل الإقليم جلال بنحيون تنفيذ عمليات الهدم، تؤكد فعاليات مدنية محلية أن ما يجري يجب ألا يُختزل في بعده العمراني فقط، بل يستدعي فتح ملف شامل حول اقتصاد الظل الذي ترعرع في تلك المستودعات العشوائية، والذي در على بعض أصحابها ملايين الدراهم خارج أي إطار ضريبي أو قانوني.
من جهة أخرى، حذرت مصادر أخرى من أن استمرار السكوت عن مثل هذه التجاوزات قد يشجع فاعلين اقتصاديين آخرين على سلك نفس النهج، عبر تخزين وثائقهم أو بضائعهم في أماكن لا تخضع لأي مراقبة، ما يعرضها لمخاطر السرقة أو التلف أو حتى الاستغلال من طرف جهات غير معروفة.







