كشف الأستاذ الجامعي والخبير في الفلاحة والصيد البحري، محمد الناجي، عن نتائج مقلقة وصفها بـ”الكارثية” لمخطط المغرب الأخضر، مشيرًا إلى أن السياسات المتبعة في القطاع الفلاحي أدت إلى استنزاف خطير للفرشة المائية والمراعي الطبيعية، وهما عنصران أساسيان في منظومة الأمن الغذائي الوطني.
جاء ذلك في ندوة علمية نظمتها جمعية مهندسي العدالة والتنمية بالرباط تحت عنوان: “الأمن الغذائي بين مخططي المغرب الأخضر وأليوتيس”، حيث ناقش خبراء واقع وآفاق السيادة الغذائية في المغرب، في ظل استمرار الاعتماد على نموذج تنموي قائم على التصدير بدل تلبية حاجيات السوق الداخلي.
في مداخلته، أكد الناجي أن الاختيارات الفلاحية التي روج لها مخطط المغرب الأخضر لم تضع ضمن أولوياتها الحفاظ على الموارد الطبيعية، بل شجعت على التوسع الزراعي المكثف، ما أدى إلى ضغط هائل على المياه الجوفية وتدهور المراعي. وأضاف أن هذه السياسات لم تراعِ التوازن البيئي والاجتماعي، بل خدمت مصالح فئات محدودة مرتبطة بما وصفه بـ”اللوبي الفلاحي”.
ووفق الخبير، فإن هذه المجموعة الضاغطة تسعى إلى تحويل الفلاحة المغربية من وسيلة لضمان الأمن الغذائي إلى أداة لخدمة مصالح التصدير، وهو توجه يتجاهل الواقع الاجتماعي للغالبية من الفلاحين الصغار، ويقود نحو اختلالات هيكلية في توزيع الموارد والثروات.
ورغم أن المغرب حقق اكتفاءً ذاتيًا في بعض المنتجات مثل الدواجن والطماطم، إلا أن الناجي يشدد على أن ذلك لا يعني تحقيق السيادة الغذائية، إذ لا تزال المدخلات الزراعية الحيوية مستوردة بالكامل، وعلى رأسها البذور التي تُعد أساس إنتاج الخضروات والفواكه.
وأوضح أن ارتهان المغرب للإمدادات الخارجية يجعله عرضة لأي اضطراب خارجي في الأسواق العالمية، كما أن غياب إنتاج محلي للبذور يُفقد البلاد استقلالها في تخطيط سياساتها الزراعية.
وانتقل الناجي إلى الحديث عن مخطط أليوتيس الخاص بالصيد البحري، حيث أكد أن القطاع يواجه نزيفًا حادًا في الثروة السمكية بسبب الصيد الجائر وسوء الحكامة. وأشار إلى أن عدة مصايد بحرية شهدت تراجعًا مقلقًا، في ظل ضعف مراقبة أنشطة الصيد، وغياب ردع حقيقي للمخالفات.
كما انتقد تركيز المخطط على تعزيز الصادرات البحرية على حساب الحاجيات الوطنية، مشيرًا إلى أن ارتفاع الطلب الخارجي وغلاء الأسعار دفع بشركات الصيد إلى توجيه الإنتاج نحو الخارج، مما حرم فئات واسعة من المغاربة من الأسماك عالية الجودة، التي أصبحت حكرًا على الأسواق الدولية، بينما يُترك المواطن للاكتفاء بأنواع رخيصة كالسردين.
وحذر الخبير من أن التغيرات المناخية والأنشطة البشرية الملوثة بدأت تؤثر بشكل مباشر على توزيع الأنواع السمكية وجودة النظم البحرية، ما يزيد من حدة الأزمة البيئية التي تعاني منها السواحل المغربية. وأشار إلى تدهور البنية التحتية للموانئ البحرية والساحلية، وغياب رؤية متكاملة لحماية المحيطات والبيئة البحرية.
في ختام كلمته، شدد محمد الناجي على ضرورة إعادة التوازن بين أهداف التصدير وتوفير الغذاء للمغاربة، داعيًا إلى تبني مقاربات جديدة تقوم على الاستغلال المستدام للموارد، وتطوير تربية الأحياء المائية، وتحسين الحكامة وتنسيق الجهود بين الفاعلين.
كما دعا إلى تعزيز البحث العلمي والتكوين، وإشراك الفلاحين والمهنيين في صياغة السياسات، من أجل تحقيق السيادة الغذائية الفعلية، بدل البقاء رهينة تقلبات الأسواق الخارجية وتوجهات رأسمالية غير منصفة.







