تُطلق المندوبية السامية للتخطيط، مرة أخرى، صفارة إنذار اجتماعي واقتصادي مدوٍّ، معلنة بلغة الأرقام الصادمة عن استمرار تدهور مؤشرات ثقة الأسر المغربية في مستقبلها المعيشي، وذلك خلال الفصل الأول من سنة 2025. هذه الأرقام، رغم كونها رسمية، لم تجد صداها بعد في أجندة حكومة عزيز أخنوش، التي تواصل تقديم خطاب “الإنجازات” و”الإصلاحات الكبرى”، في وقت تتحدث فيه المعطيات الميدانية عن شيء آخر تماماً.
ورغم أن حكومة عزيز أخنوش رفعت منذ وصولها شعار “الدولة الاجتماعية”، فإن مؤشرات الثقة الأسرية المعلنة لا تدع مجالًا للشك في أن هذه الشعارات لم تُترجم بعد إلى إجراءات عملية قادرة على إعادة الاعتبار للقدرة الشرائية أو توفير الطمأنينة للمواطن البسيط. فعلى مستوى التوقعات المستقبلية، تتوقع 53 في المائة من الأسر تدهور مستوى المعيشة خلال السنة المقبلة، بينما لا تتجاوز نسبة الأسر التي تأمل بتحسن وضعها 6,7 في المائة، وهي نسبة متواضعة تعكس تآكل الأمل في المستقبل.
في ظل هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي محمد الرهطوط أن هذه الأرقام “تعكس فشل الحكومة في تطويق الأزمة المعيشية عبر سياسات فعالة، إذ إن التركيز على الاستثمار في الأوراش الكبرى والبنايات، لم يترافق مع رؤية اجتماعية واضحة تضع الأسرة المغربية في قلب المعادلة”. وأضاف أن استمرار انعدام التوازن بين الغلاء وتطور الدخل هو ما يغذي الشعور العام بالهشاشة وغياب الأمان المالي.
وفي الوقت الذي ما تزال فيه الحكومة تتحدث عن “خارطة التشغيل” والتي رصدت لها 14 مليار درهم، تشير أرقام المندوبية إلى أن 80,6 في المائة من الأسر تتوقع ارتفاع معدل البطالة خلال السنة المقبلة، فيما لا تعتقد سوى 7,2 في المائة أن هذا المؤشر قد يشهد تحسنًا. كما أن 80,1 في المائة من الأسر تعتبر الظرفية غير مواتية لاقتناء السلع المستديمة، وهي نسبة تؤكد انكماش ثقة المستهلك وتراجع نشاط السوق الداخلي.
أما على مستوى الوضع المالي للأسرة، فتقول 42 في المائة من الأسر إنها تلجأ إلى مدخراتها أو إلى الاقتراض لتغطية مصاريفها، في حين لا تتجاوز نسبة الأسر التي تستطيع ادخار جزء من مداخيلها 2,2 في المائة. ويستقر رصيد هذا المؤشر في مستوى سلبي بلغ ناقص 39,8 نقطة، ما يطرح تساؤلات حول فعالية التدابير الحكومية المعلنة لمواجهة الغلاء، خاصة في ظل استمرار أسعار المواد الغذائية في الارتفاع، بحسب ما صرحت به 97,6 في المائة من الأسر.
وتزداد الصورة قتامة عند النظر في تطور تصور الأسر بخصوص أسعار المواد الغذائية خلال السنة المقبلة، حيث تتوقع 81,6 في المائة من الأسر استمرار هذا الارتفاع، مقابل 1,6 في المائة فقط تتوقع تراجعًا. وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجه الأسر في الحفاظ على توازنها المالي، ويبرز فشل الحكومة في ضبط السوق أو تقديم بدائل حقيقية لحماية القدرة الشرائية، خصوصًا للفئات المتوسطة والفقيرة.
ووسط هذه المؤشرات القاتمة التي تكشفها أرقام شكيب بنموسى، والتي تعكس اتساع رقعة القلق الاجتماعي وتآكل الثقة في المستقبل، تواصل حكومة أخنوش لقاءاتها الأولية مع النقابات في إطار استئناف الحوار الاجتماعي، محاولةً رسم صورة أكثر إشراقًا لواقع اجتماعي يكذبه الواقع الرقمي والميداني. فبينما تسعى الحكومة إلى تقديم تنازلات محسوبة قبيل فاتح ماي، أملاً في امتصاص الغضب الشعبي وتخفيف حدة الانتقادات، تبدو الهوة بين وعودها ومؤشرات الظرفية الاقتصادية أوسع من أن تُردم بخطابات أو إجراءات ظرفية. وهكذا، يتحول الحوار الاجتماعي، بدل أن يكون فرصة لتصحيح المسار، إلى محاولة لتزيين الواجهة، في وقت تتحدث فيه الأرقام عن أزمة صامتة تعيشها الأسر المغربية، وتُنذر بانفجار اجتماعي ما لم تُتخذ قرارات جريئة وملموسة تُعيد الثقة إلى الشارع.







