على بعد أقل من عامين من الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يطفو على السطح مجدداً نقاش قديم-جديد حول جدوى “الكوطا النسائية” في المشهد البرلماني المغربي. هذا النقاش الذي طالما أثار الانقسام بين المدافعين عن تمثيلية المرأة كإجراء تصحيحي مؤقت، وبين من يرون أن هذه الآلية تحولت إلى وسيلة لتكريس الريع السياسي، يفرض نفسه اليوم بإلحاح، بعدما بدا أن الظروف التي بررت وجودها قد تغيرت جذرياً.
فمنذ اعتماد نظام الكوطا في المغرب سنة 2002، بموجب لائحة وطنية مخصصة للنساء، كان الهدف المعلن هو تصحيح اختلالات التمثيلية بين الجنسين داخل البرلمان، وتمكين النساء من ولوج فضاء السياسة الذي ظل حكراً على الرجال لعقود. وقد شكل ذلك في حينه نقطة تحول مهمة، حيث ارتفعت نسبة تمثيل النساء من 0.6% سنة 1997 إلى 10.5% في أول انتخابات بعد إدخال الكوطا.
لكن بعد مرور أكثر من عقدين، يبدو أن هذا الخيار لم يعد مجدياً كما كان في بدايته، بل ويُنظر إليه اليوم في أوساط واسعة كآلية تجاوزها الزمن. فالمغرب شهد خلال السنوات الأخيرة صعوداً نسوياً لافتاً، ليس فقط على مستوى الكم بل أيضاً النوع. فقد تمكنت نساء مثل نبيلة منيب، الأمينة العامة السابقة لحزب الاشتراكي الموحد، من اختراق سقف الزجاج والوصول إلى قيادة حزب سياسي دون المرور عبر الكوطا. كما تقلدت العديد من النساء مناصب وزارية ومسؤوليات تنفيذية رفيعة، وهو ما يعزز الطرح القائل بأن إدماج المرأة لم يعد بحاجة إلى”الضوباج”.
عندما تتحول الكوطا إلى “ريع مؤنث”
إلا أن ما يدفع هذا النقاش إلى عمقه الأكثر إلحاحًا، ليس فقط نجاح النساء في فرض أنفسهن في المشهد السياسي، بل ما أفرزته الكوطا ذاتها من أعطاب بنيوية داخل المؤسسة التشريعية. فعوضًا من أن تكون أداة لتمكين الكفاءات النسائية، تحولت في حالات كثيرة إلى بوابة خلفية لتمرير زوجات، بنات، وحتى “مقربات” زعماء الأحزاب والمنتخبين النافذين. وهكذا أُفرغت الكوطا من بعدها التعديلي، لتتحول إلى آلية لتوزيع الغنائم السياسية على الأقارب والموالين.
في هذا السياق، يرى “حميد لزرق” الأستاذ الباحث في العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، بأن “الكوطا كانت مفيدة في البداية لكسر البنية الذكورية في المشهد السياسي، لكنها تحولت اليوم إلى ريع سياسي تتقاسمه نخب متحكمة في مفاتيح التزكيات”.
وأضاف لزرق في حديث لـ “نيشان” أن “استمرار الكوطا بصيغتها الحالية يشكل تمييزاً سلبياً ضد النساء الكفوءات”.
وقد سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن دق ناقوس الخطر سنة 2020، حين اعتبر أن “التمثيلية النسائية لا ينبغي أن تقتصر على الأرقام بل يجب أن تعكس حضورًا نوعيًا ومؤثرًا”، في إشارة إلى ضعف الأداء البرلماني لبعض النائبات الوافدات عبر الكوطا.
لا يتعلق الأمر هنا بتحامل على النساء أو تقليلاً من مكانتهن، بل بتشخيص واقعي لظاهرة أصبحت مستشرية. فعدد كبير من النائبات البرلمانيات اللواتي دخلن القبة عبر الكوطا لا يتوفرن على أي خلفية سياسية أو تكوين أكاديمي مناسب، بل يتم إقحامهن كوجوه لتلميع صورة الأحزاب أو كترضيات حزبية داخلية. وقد عرفت بعض الدوائر المحلية مآسي انتخابية حقيقية بسبب صراعات داخلية بين المرشحين الأساسيين و”مرشحات الكوطا”.
معطيات رسمية خلال الولاية الجارية، تُظهر أن نسبة كبيرة من النائبات عبر لوائح الكوطا لا يشاركن في النقاشات، ولا يقدمن مقترحات قوانين، بل يُستخدمن لضبط التوازنات العددية فقط. أكثر من ذلك، رُصدت حالات نائبات لا يفقهن آليات التشريع ولا يعرفن مضمون مشاريع القوانين التي يُصوتن عليها.
في هذا السياق يضيف الباحث “حميد لزرق” “نحن إزاء انحراف خطير في استخدام آلية الكوطا، فقد تم اختزالها في وسيلة لتوزيع الريع داخل الأحزاب، عبر استقدام زوجات، بنات، وغير ذلك، دون أي اعتبار للكفاءة أو المشروعية.” لافتا الى أنه و”بهذا الشكل، نُفرغ البرلمان من محتواه ونحول المناصفة إلى أداة للتشويه بدل أن تكون رافعة للمساواة.”
ماذا بعد.. نحو مراجعة جذرية أم إلغاء تدريجي؟
هذا الوضع يطرح أسئلة جدية حول مستقبل الكوطا.. هل حان الوقت لمراجعتها؟ هل اضحت الحاجة إلى تغيير جذري في آلية إدماج النساء في المؤسسات المنتخبة؟ وهل يمكن التفكير في إلغاء تدريجي لها لصالح تنافس مفتوح على أساس الكفاءة فقط؟
هناك من يدعو، مثل الباحثة في علم الاجتماع صفاء فتح الله، إلى اعتماد لوائح جهوية مختلطة تشترط التناوب بين الجنسين، عوض اللائحة الوطنية المحصورة في الكوطا النسائية، ما سيمكن من إدماج النساء في العملية الانتخابية المحلية وبناء شرعيتهن من القاعدة. كما تقترح أصوات أخرى تعزيز التكوين السياسي للنساء، ودعم حضورهن في الأحزاب خارج آليات الريع الانتخابي.
واليوم، يكاد يجمع عدد كبير من الفاعلين الحزبيينو الحقوقيين، أنه وبعد أكثر من 20 سنة على تطبيق الكوطا، فإن المغرب مطالب بجرأة سياسية لمراجعة هذه الآلية، ليس من باب تقليص حضور المرأة في المؤسسات، بل من أجل تعزيز حضورها النوعي وضمان أن تصل النساء الكفوءات بالفعل إلى مواقع القرار. أما أن تتحول الكوطا إلى “سلم عائلي” لصعود مقربات الزعماء، فهو ما يشكل انتكاسة للديمقراطية، وإساءة مزدوجة لصورة البرلمان وصورة المرأة على حد سواء.
في السياف ذاته، يتساءل متتبعون للشأن السياسي، عما اذا كانت ستشكل2026 موعداً لمصالحة البرلمان مع معناه الحقيقي؟ أم انها ستكون مجرد فصل جديدا من توارث الكراسي وتزييف التمثيلية؟. الجواب تحمله قادم الأشهر، لكنه رهين بقرار سياسي أكثر منه مسألة تقنية.







