بينما لا تزال آلاف الأسر في أعالي جبال الحوز تكابد قساوة الحياة داخل خيام مهترئة، وتنتظر بصبر نافد بزوغ بوادر الإعمار، أطلقت وكالة تنمية الأطلس الكبير صفقة عمومية ضخمة لتأهيل طريق وطنية، بتكلفة تفوق 161 مليون درهم، أي ما يعادل نحو مليار سنتيم للكيلومتر الواحد، وذلك وفقاً للوثائق الرسمية الخاصة بطلب العروض رقم 30/2025/ADHA.
الصفقة، التي من المقرر فتح أظرفتها يوم الثلاثاء 10 يونيو الجاري بمقر المديرية الإقليمية للفلاحة بمراكش، تتعلق بأشغال تهيئة جزء من الطريق الوطنية رقم 7، على امتداد 18 كيلومتراً بين النقطتين الكيلومتريتين 244 و262، داخل النفوذ الترابي لإقليم الحوز. غير أن ما أثار الجدل لا يقتصر فقط على ضخامة المبلغ، بل يشمل أيضاً التوقيت والسياق، إذ إن التمويل مصدره، جزئياً، الحساب الخاص بالتضامن لتدبير آثار الزلزال، أي من التبرعات التي جمعها المغاربة لدعم المنكوبين.
وفي هذا السياق، اعتبر أحد الفاعلين الجمعويين بمنطقة أمزميز أن “من غير المفهوم أن تُنفق مئات الملايين على طريق، في وقت لا تزال العائلات تتقاسم الحمام مع الوحل، وتُدرّس أطفالها تحت الشجر”، متسائلا في اتصال هاتفي مع نيشان، عن “المعايير التي تحدد الأولويات في أجندة الوكالة، التي لا نرى أثرها إلا في الصفقات”.
وتجدر الإشارة إلى أن وكالة تنمية الأطلس الكبير، التي أُحدثت بمرسوم قانون خلال جلسة عمل ملكية في 20 شتنبر 2023، خُصصت لها ميزانية ضخمة تناهز 120 مليار درهم لتنفيذ برنامج إعادة الإعمار على مدى خمس سنوات، وكان يُفترض أن تكون الذراع التنفيذية السريعة والفعالة لإنهاء معاناة المتضررين من الزلزال. غير أن المعطيات الميدانية، حسب شهادات متطابقة من الحوز وشيشاوة وتارودانت، تؤكد أن وتيرة الإنجاز بطيئة، إن لم تكن متوقفة، وسط غياب للشفافية وندرة في التواصل الرسمي.
ومنذ زلزال 8 شتنبر، تعيش آلاف الأسر في مناطق نائية ظروفاً قاسية، وسط شتاء جليدي وصيف قائظ، مع افتقار شبه تام للبنيات الأساسية. لا مدارس جاهزة، ولا مراكز صحية قريبة، ولا حتى مآوي مؤقتة تقي من تقلبات الطقس. في المقابل، يلاحظ مراقبون تصاعد وتيرة الإعلان عن صفقات ضخمة، بعضها لا يبدو أنه يرتبط بشكل مباشر بالحاجيات الملحة للساكنة المتضررة.
وفيما تؤكد الوكالة، في دفتر الشروط الخاص بالصفقة، أن المشروع يندرج ضمن جهود “فك العزلة وتأهيل البنية التحتية”، يرى كثيرون أن السياق لا يحتمل ترف التجهيزات بعيدة المدى في ظل غياب الأساسيات.
وتطرح الصفقة الجديدة، التي يبلغ مبلغ الضمان المؤقت المخصص لها 2.4 مليون درهم، تساؤلات مشروعة حول طريقة تدبير الأموال التي تبرع بها المواطنون والمجتمع المدني بروح تضامن نادرة.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى مسألة المحاسبة وربط المسؤولية بالتدبير الفعلي على الأرض إحدى أولويات المرحلة، كما يؤكد عدد من الحقوقيين والمتتبعين، الذين شددوا على ضرورة إخضاع مشاريع الوكالة لتدقيق مستقل، ونشر تقارير دورية مفصلة توضح نسب التقدم، وحجم النفقات، والأثر الحقيقي للمشاريع على حياة المواطنين.







